ـ [أبو فهر] ــــــــ [20 - 07 - 2009, 11:35 م] ـ
قول الله تعالى: (( واشتعل الرأس شيبًا ) ).
وتلك الآية هي الثالثة من الآيات التي ذكرها ابن المعتز , والاستعارة فيها عنده هي أن كلمة اشتعل استعيرت لشيءٍ لم يعرف بها , وهو الشيب , من شيء قد عرف بها و وهو النار , والشيب لا يشتعل بزعمه , وهي عند أبي عبد الله البصري المعتزلي ومن تبعه مجاز , يقولون: إن لفظ اشتعل وضع في أصل اللغة للنار , فهو حقيقة في النار , مجاز في غيرها , وهو يدل على أن النار من غير قرينةٍ , ولا يدل على غيرها إلا بقرينة بزعمهم.
قلت: روى البخاري وغيره عن ابي هريرة , أن عبدًا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: مدعم , جاءه سهم غائر فقتله , فقال الناس: هنيئًا له الشهادة , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( بلى والذي نفسي بيده , إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارًا ) )الحديث , وقال البخاري في كتاب صلاة الخوف من (( صحيحه ) ), باب: الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو , وقال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر , واشتد اشتعال القتال , فلم يقدروا على الصلاة , فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار , فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا , قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها ا هـ وقال ابن حجر في (( فتح الباري ) ): قوله: اشتعال القتال بالعين المهملة , وروى الإمام أحمد
والطبري في (( تاريخه ) )حديثًا في ذكر طاعون عمواس , وفيه: لما اشتعل الوجع , وفيه: إن هذا الوجع إذا وقع , فإنما يشتعل اشتعال النار , وإسناده لا يحتج به ,
فعاد زمان بعد ذاك مفرق وأشغل ولي من نوى كل مشعل
قال: وأشعلت الطعنة , إذا خرج دمها , وأشعلت العين: كثر دمعها , وقال ابن السكيت: جاء جيش كالجراد المشعل , وهو الذي يخرج في كل وجه , وكتيبة مشعلة , إذا انتشرت , وأشعلت الطعنة , إذا خرج دمها متفرقًا , وجاء كالحريق المشعل: بفتح العين . ا هـ , كذلك هو في (( تهذيب اللغة ) ): كتيبة مشعلة إذا انتشرت ,
مستنة سنن الفلو مرشة تنفي التراب بقاحز معروف
يهدي السباع لها مرش جدية شعواء مشعلة كجر القرطف . ا هـ
وكل ذلك يدل على أن اشتعل يعم النار وغيرها , ولا يخص النار وحدها , وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الشملة لتشتعل عليه نارًا ) )حجة بينة على أن اشتعل ليس خاصًا بالنار , ولا معروفًا فيها وحدها , ولو كان خاصًا بها لكفى أن يقال: لتشتعل عليه , أو لتشتعل عليه اشتعالًا , ولم يحتج إلى أن يبين ذلك الاشتعال ما هو , وأنها تشتعل نارًا , وليس شيئًا غيرها ,والتأسيس أولى من التأكيد ...
واختلف النحاة لم نصب (( شيئًا ) )في تلك الآية: فقال الأخفش في (( معاني القرآن ) ), وقال: شيبًا لأنه مصدر في المعنى , كأنه حين قال اشتعل قال: شاب فقال: شيبًا على المصدر , وليس هو مثل تفقأت شحمًا , وامتلأت ماءً , لأن ذلك ليس بمصدر. ا هـ , ونقله عنه الطبري في (( تفسيره ) ), ثم قال: وقال غيره نصب الشيب على التفسير , لأنه يقال اشتعل شيب رأسي , واشتعل رأسي شيبًا , كما يقال تفقأت شحمًا , وتفقأ شحمي . ا هـ , وقال أبو اسحاق الزجاج في (( معاني القرآن وإعرابه ) ), وشيبًا منصوب على التمييز , المعنى اشتعل الرأس من الشيب , يقال للشيب إذا كثر جدًا
قد اشتعل رأس فلان . ا هـ , وذكر ابن النحاس في (( إعراب القرآن ) )قول الأخفش , وقول أبي إسحاق , ثم قال: وقول الأخفش أولى لأنه مشتق من فعل والمصدر أولى به . ا هـ , وقال الأزهري في (( تهذيب اللغة ) )ونصب شيئًا على التفسير , وإن شئت جعلته مصدرًا وكذلك قال حذاق النحويين . ا هـ , وقول الأخفش إنه مصدر , كأنه قال شاب شيبًا , خطأ , ولو كان شاب شيبًا , كما زعم لدل على أنه شاب شيبًا ما أي شيب قل أو كثر , ولجاز أن يقال: شاب شيبا قليلًا أو كثيرًا , وأن يسأل حينئذ: أكان شيبه قليلًا أم كثيرًا؟
والصواب - إن شاء الله - أنه نصب على التمييز , كما قال أبو إسحاق الزجاج , وهو التفسير في اصطلاح بعض النحاة , فإن اشتعل عام يدل على أن شيئًا ما عم رأسه وتفرق في نواحيه , فاحتاج إلى ما يفسره ويميزه ويبين ما هو ذلك الشيء الذي عمه , فجاء شيبًا ليبين أن الشيب هو الذي عم رأسه وتفرق في كل ناحية منه, والله أعلم.
وإذا كانت العرب يقولون اشتعل للنار وغيرها , فلا ندري بأي ذلك تكلموا أولًا , ولا سبيل إلى العلم به , ولا يذكر اشتعل في كلامهم إلا وفي كلام المتكلم أو أنبائه ما يبين ما أراد به , سواء أراد النار أم غيرها , فقولهم: إن اشتعل كان يعرف في النار دون غيرها , وإنه وضع في أصل اللغة للنار , فهو يدل عليها من غير قرينة , ولا يدل على غيرها إلا بقرينة , كله زعم باطل لا حجة له.
(يُتْبَعُ)