ـ [ابن عبد العزيز الرجداوي] ــــــــ [06 - 07 - 2008, 12:50 ص] ـ
دكتور
أسامة عبد العزيز جاب الله
كلية الآداب - جامعة كفر الشيخ
من وسائل القرآن الكريم في اختياره ما يحقق التناسب الصوتي، والانسجام التأليفي للآيات القرآنية؛ اعتماده توظيف بعض الكلمات في صورتها المفردة في سياقات، ثم توظيفها مرة أخرى في صورتها الجمعية في سياقات أخرى، وما ذاك إلا مراعاة للتلوين الصوتي لهذه الكلمات، وقصدًا لما يراد من وراء هذا التلوين من توابع دلالية وجمالية موظفة في هذه السياقات.
* فالنص القرآني لم يستعمل بعض الألفاظ إلا مجموعة دوماَ، فإذا احتاج إلى توظيف مفرد اللفظة المجموعة عدل عن هذا المفرد إلى استعمال المرادف. ومن ذلك ما نلمسه في التوظيف القرآني من عدم توظيف لفظ (اللُبّ) على الصورة المفردة، فهو لم يرد في القرآن الكريم إلا مجموعًا دائمًا، وقد ورد في (16 ست عشرة آية) منها: قوله تعالى: ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ ? ، وقوله تعالى: ? إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ ? ، وقوله تعالى: ? فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ? ، وقوله تعالى: ? وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ ? . وعندما يحتم السياق القرآني استعمال المفرد من هذا اللفظ يعدل القرآن إلى استعمال لفظ (القلب) ،والسبب في ذلك راجع إلى طبيعة التركيب الصوتي لكلمة (اللب) في هيئة المفرد. يقول الرافعي:"ذلك لأن لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية، فلما لم يكن ثم فصل بين الحرفين يتهيأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدة، تحسن اللفظ مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبًا أو رفعًا أو جرًا، فأسقطها من نظمه بتة، على سعة ما بين أوله وآخرة، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، وهذا على أن فيه فظة (الجبّ) وهي في وزنها ونطقها لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشَّدة في الجيم المضمومة".
وهذا التوجيه الجمالي الرائع من جانب الرافعي الذي اعتمد فيه على المعطيات الذوقية الخالصة لأصوات كلمة (اللبّ) ، وما أدى إليه ذلك من استحالة توظيف المفرد منها والعدول إلى الجمع في السياق التوظيفي للقرآن الكريم، وذلك لاجتماع اللام المشددة مع الباء الشفوية الشديدة، مما أدى إلى نوع من الثقل النطقي والسمعي أدى إلى هذا العدول، وتوظيف لفظة (القلب) بدلًا منها.
* وعلى هذا النهج نلمس في التوظيف القرآني كلمات وردت مجموعة دون توظيف مفردها، منها كلمة (أكواب) في قوله تعالى: ? وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ? ، فلفظة المفرد منها لم توظف هنا"لأنه لا يتيهأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقة والانكشاف وحسن التناسب ما في لفظ (أكواب) الذي هو جمع".
* كذلك وظف القرآن الكريم كلمة (أرجاء) مجموعة دون توظيف مفردها في موضعها الوحيد في القرآن، وذلك في قوله تعلى: ? وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ? ، ذلك لأن مفرد كلمة (أرجاء) الذي هو (رَجَى) وهو مقصور، ليس فيه من العذوبة والرقة ما في جمعه .
* وعلى عكس هذا التوظيف لكلمات في حالة الجمع دون مفردها، نجد القرآن الكريم يوظف كلمات في هيئة المفرد دون العروج على جمعها، ولك مثلما نلحظ في توظيف كلمة (الأرض) التي لم ترد في القرآن الكريم إلا مفردو دائمًا في كل المواضع التي ذكرت فيها والبالغ مجموعها (461 أربعمائة وإحدى وستون موضعًا) بكل صورها؛ من التعريف والتنكير وشتى الحالات الإعرابية.
(يُتْبَعُ)