فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 34565 من 36878

ـ [د/أم عبدالرحمن] ــــــــ [27 - 08 - 2008, 08:08 ص] ـ

(لقوا - خلوا) إن هذين اللفظين يشتركان في معنىً عام يحمل معنى الاجتماع والمقابلة فلم آثر البيان القرآني كلًا منهما في موضعه، خاصة وأنهما قد تكررا في ثلاثة مواضع من كتاب الله تعالى؟ وذلك في قوله تعالى: {إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} البقرة (14) .

وقوله تعالى {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} البقرة (76) .

وقوله تعالى {هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} آل عمران (119) .

لا شك أن ألفاظ القرآن لها معانيها الخاصة بها، فلم يؤثر القرآن لفظ"لقى"في جانب المؤمنين، ولفظ"خلا"في جانب الكفار إلا ليكشف جانبًا من جوانب تلك الفئة المتذبذبة بين الإيمان والكفر، وحتى تظهر تلك المزية نعود لمعنى اللفظين لمعرفة الخصوصية الدلالية التي يتفرد بها كل منهما عن الآخر.

فاللقاء [نقيض الحجاب، يقال لقيته ولاقيته إذا استقبلته قريبًا منه، واللقاء المصادفة يقال: لقيته ولاقيته أي: صادفته واستقبلته، واللقاء اجتماع بإقبال، والملاقاة: أصلها أن تكون من قُدَّام ألا ترى أنه لا يقال لقيته من خلفه] .

والخلوة [من خلا المكان والشيء يخلو خلوةً وخلاءً، وأخلى: إذا لم يكن فيه أحد ولا شيء فيه وهو خالٍ، ومكان خلاء لا أحد به ولا شيء فيه، وأخلى المكان: جعله خاليًا، وأخلى: وقع في موضع خالٍ لا يزاحم فيه، وخلت الدار خلاءً إذا لم يبق فيها أحد، وخلالك الشيء وأخلى بمعنى فرغ، وأخلى إذا انفرد، وخلوةً: اجتمع معه في خلوة، والخلاء: الفضاء الواسع الخالي من الأرض، وخلا إليه: انتهى إليه في خلوة، وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، ويأتي بمعنى مضى] . .

وفي ضوء ما تقدم نرى أن اللقاء اجتماع أمام الملأ، وهذا الاجتماع يأتي مصادفة وبدون سابق موعد وجهًا لوجه، أما الخلوة فهي اتفاق على الاجتماع بمنأى عن الناس، وفيه شيء من الإسرار بموعد ذلك الاجتماع ومكانه.

وبناء على ذلك فاختيار القرآن للفعل"لقي"للدلالة على اجتماع المنافقين بالمؤمنين قد حقق أمرا انكشف به ستار المنافقين الذي يتخفون وراءه، فظهر حقدهم وكراهيتهم وكذبهم على المؤمنين وهو: أن لقاءهم المؤمنين لا يكون إلا مصادفة ولمحات قليلة، فلم يكونوا يحرصون على تحديد موعد لملاقاتهم ما داموا يتحرجون من هذه المواجهة، ولو حصلت هذه الملاقاة فإنها تكون قَسْرًا تعزيزًا لوجودهم بين المؤمنين من أجل مصالحهم، وقد تحقق هذا المعنى من دلالة الفعل"لقي"اللازم والذي يعني المصادفة فإذا صادفوهم توقفوا وأعلنوا ذلك الإيمان بدون مقدمات له إيهامًا لهم، وكان عليهم ألا يعلنوها للمؤمنين ماداموا منهم ولكنها نفوسهم المريضة.

كما أن اختيار القرآن للفظة"خلا"في الدلالة على ملاقاة الكفار قد حقق عدة أمور انكشف بها ستار المنافقين الذي يتخفون وراءه، فظهر حبهم وموالاتهم لإخوانهم وحلفائهم من اليهود والكفار، وهذه الأمور هي:

1 -أنهم يحرصون على الإنفراد التام بحلفائهم بعيدًا عن أنظار المؤمنين في ترقب وحذر؛ لأن المؤمنين لا يعلمون بحقيقتهم، ولو علموا لقاتلوهم ولتوقف وجودهم ومصالحهم بين المؤمنين.

2 -أن حرصهم على هذه الخلوة بعيدًا عن المؤمنين يعكس ميلهم النفسي إلى حلفائهم، فهم يخلون بهم مائلين بقلوبهم إلى طريقتهم، يسرون إليهم بالمودة والمحبة والمؤازرة وقد تحقق ذلك من دلالة الفعل خلا المتعدي بإلى.

3 -إذا كانت هذه الخلوة عن طواعية ورغبة فلا شك أنهم يحرصون على تحديد مكان الاجتماع وزمانه، فلا يجتمعون بهم فجأة كما في جانب المؤمنين ومع ذلك يجددون عقد الولاء والطاعة لحلفائهم في لقائهم بهم خوفًا من أن يكون قد دبَّ في نفوس حلفائهم أدنى شك في خيانتهم لهم، جاعلين استهزاءهم بالمؤمنين أقوى علاج لإزالة ذلك الشك. (1)

لقد كشف هذان اللفظان جانبًا من الصراع النفسي الذي تمر به نفوس المنافقين، يتخبطون في دياجير الحيرة والتردد، فصدق قول الله تعالى فيهم: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} النساء (143) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ

(1) انظر: الفروق اللغوية، المفردات في غريب القرآن، لسان العرب، نظم الدرر للبقاعي:1/ 46،التحرير والتنوير: 1/ 291،تفسير الكشاف: 1/ 184، روح المعاني: 1/ 158 و 159،ظاهرة النفاق وخبائث المنافقين في التاريخ: 1/ 170

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت