فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31939 من 36878

وهنا نكتة بلاغية جليلة، فالله سبحانه وتعالى كما لا يجوز عليه المجيء بالوجه الذي بيناه، فإن أمره لا يمكن أن يأتي أو يجيء إلا على وجه مجازي محض، فأمر الله تعالى يصدر، ولا يأتي، وينفذ ولا يجيء، ويطبق ولا يناقش، ولما جاء التعبير عنه بالقرآن بالإتيان تارة، والمجيء تارة أخرى، علمنا هنا من دلالة النص الفنية، وبذائقة فطرية خالصة أن تأكيد صدوره وكونه قدرا مقضيا، قد أكد بالإتيان والمجيء للتعبير عن حتمية وقوعه جزما، وتجسيد نفاذه فورا حتى شخص وكأنه قادم آت متمثل قائم.

ب ـ وفي كل من قوله تعالى:

(الرحمن على العرش أستوى *) (5) .

(1) الفجر: 22.

(2) غافر: 78.

(3) هود: 76.

(4) النحل: 33.

(5) طه: 5.

(ثمّ استوى الى السّماء) (1) .

(ثمّ استوى على العرش) (2) .

مجاز عقلي تقتضيه ضرورة أن الله سبحانه وتعالى ليس قالبا حسيا، ولا مثالا مرئيا، ولا جسما متحركا يعرض للتنقل كأجسامنا، فاستواؤه هنا سيطرته وقدرته وإحاطته حتى لا يفوته شيء، كما يستوي صاحب الملك على أطراف مملكته، إذ ليس لمعنى الأستواء بالنسبة اليه تعالى تطبيق خارجي، أو مدرك وجودي ينطبق على ذاته القدسية، كانطباقه على إستوائنا وسيطرتنا من إحكام للأمر، أو ضبط للشؤون، بأسباب وحراس أو قوى وأجهزة مادية، وإنما ذلك بالنسبة للباري عزّ وجلّ فوق مدرك عقولنا إذ هو حقيقة تعبيرية عن الإحاطة المطلقة التي لا تفوتها الجزئيات غير المرئية، وتنظير للاستقطاب التام الذي لا يحتاج معه الى مساعد أو معين أو موقت، وتمثيل لاستيلائه على العوالم الكونية، والمكنونات العلوية والسفلية دون النظر في الوسائل والأسباب والمعدات، فيكفي أنه استولى على هذه الشؤون بهذه الشمولية في سيطرة فعلية أفادها معنى الاستواء بالنسبة اليه، وهذا لا يمانع أن يكون لفظ العرش في الآيتين قد جاء على طريقة المجاز اللغوي في نقله عن الأصل، للدلالة على الملك المطلق غير المحدود مراعاة لإدراكنا المحدود في تصور العرش حينما يجلس عليه ذو الملك وهو في أطراف دولته، أو جالسا على سرير مملكته، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفضهما. . .) (3) وذلك بلحاظ لفظ «الكرسي» فالعرب في سنن كلامها أن تعبر عن مظاهر الحكم، وملامح الملك، وتوليه الأمور بـ «الكرسي» وإن كان صاحبهما جالسا على الأرض، أو ليس لديه كرسي أصلا، فهو مستول على سرير الملك وكرسي الحكم، وهذا جار عند

(1) البقرة: 29.

(2) الأعراف: 54.

(3) البقرة: 255.

العرب الى اليوم، وقد يشاركهم فيه جملة من العالم في الشرق والغرب بهذا الفهم وهذا التعبير ليس غير، وهم يريدون ما تريد الآية من الإطلاق لدى التبادر الذهني العام، إذ ليس لله كرسي يجلس عليه هذه صفته بالكبر والاستطالة والتوسع، ولكنه ترحيل باللفظ الى المعنى المعبر عن مدى ملكه، واتساع مملكته، وترامي أطرف حكمه في المناحي السماوية والأرضية، والسياق القرآني يساعد على هذا الحكم العقلي، لنفي الجسمية والتشبيه والمكانية عنه عزّ وجلّ.

وهذه السعة المدركة عقليا بضم العبارة بعضها لبعض، لا تنافي أن يكون لفظ «الكرسي» بمفرده، من المجاز اللغوي، أو على سبيل الأستعارة، ليلتقي المجازان العقلي في العبارة، واللغوي في المفردة في التعبير عن تمكنه وسلطانه سبحانه وتعالى.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت