ج ـ وفي قوله تعالى: (سنفرغ لكم أيّه الثّقلان *) (1) ، نلمس مجازا عقليا نستفيده لا بقرينة لفظية مقالية، بل بقرينة معنوية حالية، أدركها العقل، وسلّمت بها الفطرة من خلال أحكام الألفاظ في العبارة، وسياق الإسناد في التركيب، فالله سبحانه وتعالى لا يشغله أمر عن أمر، ولا يلهيه شأن عن شأن، فهو قائم لا يسهو، وإنما أراد بهذا التفرغ، التوجه نحو الثقلين توجه المتفرغ الذي لا يعنيه غير هذا الموضوع في الوقت الذي يدير فيه جميع العالم، ويستوعب جميع صنوف التدبير، وذلك على طريقة العرب في سنن الكلام لدى التعبير عن التهيؤ والجد والتشمير، فهو قاصد إليهم بعد الترك في فسحة الحياة ومحيط بهم الإمهال قبل الموت، لا أنه كان مشغولا ففرغ، أو في كائنة وانتهى منها؛ وإنما هو المجاز بعينه الذي أشاع روح الرهبة في الوعيد، وانتهى بأجراس النقمة في المجازاة، دون شغل أو عمل صارفين.
د ـ وتبقى ميزة التعبير القرآني مقترنة بالأسلوب العربي المبين، في وضع المجاز بموضعه المناسب من الفن القولي، حتى يكتسب ذلك التعبير في مجازيته العقلية طائفة مشرقة من الاعتبارات الإيحائية، التي تلتصق
(1) الرحمن: 31.
بالمعاني الأصلية، أو هي مقاربة ومجاورة لها، كما هي الحال في استعمالات المجاز العقلي في القرآن، بما يتوصل اليه بقرينة ذهنية نصل معها الى مناخ مجازيته الفعلية بما أضفته من مسلك دقيق قد لا تتوصل اليه الا الأفهام الثاقبة، والطباع الرقيقة، كما في قوله تعالى: (والسماء ذات الرّجع * والأرض ذات الصّدع* إنه لقول فصل * وما هو بالهزل *) (1) .
فأنت ترى أن الفصل والهزل، وهما ههنا وصفان للقرآن الكريم، والوصفية هنا قد تكون أدل على المعنى المراد من المصدرية؛ وذلك لأن الوصفية قد تغطي الدلالة الإيحائية مضافا الى الدلالة المركزية بأن: هذا الوصف فضلا عن كونه مصدرا فهو مما يصلح أن يوصف به هذا الكتاب العظيم، فيكون التأكيد على جديته وحاكميته أرقى من خلال التعبير النافذ، فيكون ذلك ألصق به، والمراد منه أشد وضوحا من إرادة المصدر بمفرده، فاشتمل على المعنيين بوقت واحد، وهذا أبرز معلم من معالم الاستعمال المجازي في القرآن.
وقد عقب أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري على هذا الملحظ الدقيق فقال مشيرا للنموذج القرآني الآنف:
«ولعل من أهم الأسباب التي ميزت أساليب العربية بمثل هذه المزية قدم اللسان العربي، وطول تداوله، وكثرة تصرفه في المعاني، بحيث تكتسب الألفاظ المفردة فيه معاني مضافة مجاورة لمعانيها الأصلية، فتمتد هذه فضل امتداد، حتى تصير المعاني المجاورة، بعد لأي وطول إلاف، كأنها جزء من تلك المعاني الأصلية، أو قرين مقارن مساو لها في الدلالة، وذلك هو الذي يعبر عنه علماء البلاغة بقولهم في (المجاز العقلي) أنه: إسناد الفعل أو ما هو بمنزلته (2) .
وما يقال هنا يقال بالنسبة لقوله تعالى: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين *) (3) . ومعلوم أن إسناد البكاء الى السماء والأرض معا،
(1) الطارق: 11 ـ 14.
(2) أحمد عبد الستار الجواري، نحو المعاني: 124.
(3) الدخان: 29.
وليس من شأن السماء البكاء، ولا من طبيعة الأرض أن تكون باكية، دلالة على إرادة الاستعمال المجازي عقلا، فالمساء على حقيقتها والبكاء على حقيقته وكذلك الأرض، ووصف السماء والأرض بأنهما يبكيان، أو نفي بكائهما كما في الآية، يقتضي أن هذا الإسناد ألصق في تصور الفجيعة، وأبلغ في تصوير النازلة، وذلك حينما أخذ هؤلاء على عجل دون أهبة أو استعداد.
ونظير هذا كثير في المجاز العقلي من القرآن.
4 ـ علاقة المجاز العقلي في القرآن
والمراد بعلاقة المجاز العقلي في القرآن ههنا، وجه الاستعمال المجازي وسببه الداعي اليه، والركيزة المقتضية التي يستند اليها هذا المجاز، ولك أن تتجوز في ذلك فتقول: إن العلاقة هنا هي المسوغ الفني، أو المبرر الاستعمالي لهذه الصيغة المجازية دون الأصل الحقيقي.
(يُتْبَعُ)