نما شعورٌ غريبٌ في قلبي تجاهها، أحسستُ نحوها بالحبّ، وجهٌ يشعّ منه الصدق، وقلبٌ يسع الكل، ولسانٌ لم أسمع منه إلا ذكر الرب، كلما هممتُ بأمر تذكّرتُ ابتسامتها الحانية وهي تذكّرني بالبسملة قبل أن آخذ منها العيّنة، وكلما مررتُ بذلك الباب، باب حجرتها، تذكّرت ذلك المشهد الأخير، في يوم العملية الجراحية التي كانت مقرّرة لها.
كانت على السرير، وكنّا نقطع الجناح، ونعبر الممرّ، لنذهب إلى المصعد، حتى ننزل لغرفة العمليات، كانت تشد يدي، وتسألني بالله أن أتأكّد أن كل جسمها مغطىً ولا يظهر منها شيء، كانت تردّد:"اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي".
كان هذا آخر عهدي بها، بعدها لم تعد إلى الجناح، أظلمت الدنيا في عيني، وكأنّ قطعةً من جسدي فُصِلَت، وكأن ألف لترِ دمٍ من طُحالي ونخاع عظمي سُحِب. جاء ابنها في الغد ليأخذ متعلّقات والدته من حجرتها، علاماتُ الحزن عليه ظاهرة، ساعدناهُ في جمع متعلّقاتها، ومازالت آياتُ الفجيعة عليّ بادية، انكفأتُ باكية وأنا أضع في الحقيبةِ مذياعها الطيب.
ولمّا كان من الغد، عادَ ابنها من جديد، وخلفهُ مرافق، يحملون كراتين كثيرة، وأكياس، يضعها أمامنا في قاعدة التمريض، يقول: هذه لكم، من الوالدة، قبل أيام أوصت أن نجهّزها لكم لتعطيكم إياها، وهاهي قد ماتت رحمها الله، وأمانتها لكم قد وصلت.
كانت هدايا رائعة، تحف صغيرة راقية، مع رسالة رقيقة مذيّلة باسمها تشكرنا فيها على حُسن عنايتنا بها وبالمرضى، ومعها كتيبات وأشرطة دعوية باللغة العربية وأخرى بلغات زميلاتي.