فهرس الكتاب
هذا الوجوب الكفائي إذا نظرنا إليه مع كثرة فروع الدين بل مع كثرة ما يُطلب في دين الله جل وعلا أن يدعى إليه وجدنا أنه لا يمكن أن يقوم بالدعوة إلى الله جل وعلا على كمالها واحد في كل باب، أو عشرة في كل باب، أو مائة في كل باب، هذا غير متيسر إلا لمن كان إماما في الدين وتلك رتبة عظيمة لا يبلغها إلا الأفراد في القرون.
وإذا كان كذلك فإن أهل العلم يدور كلامهم على أن الدعوة إلى الله جل وعلا بحسب الاستطاعة، فمن كان عنده علم بتوحيد الله جل وعلا فنشره فإنه معلم للخير وداعٍ إلى الله جل وعلا، ومن كان عنده علم بالفقه فنشره فإنه معلم للخير وداعٍ إلى الله جل وعلا، ومن كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر فهو أيضا داع إلى الله جل وعلا، ومن كان يرقق القلوب لتقبل على الله جل وعلا فهو داع إلى الله جل وعلا، ومن كان يأخذ بالوسائل المفيدة ليستفيد غيره منها فإنه أيضا يدخل في سلك من يدعو إلى الله جل وعلا وفي فضل ذلك، ولهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «نضر الله أمرؤا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع» يعني دعا النبي صَلَّى الله عليه وسلم لهذا الذي سمع ولم يفقه تمام الفقه لكنه بلغ كما سمع دعا له بأن ينضر الله وجهه ومعنى (نضر الله وجه امرئ سمع مقالتي ) وفي اللفظ الآخر (نضر الله أمرؤا) بدون وجه (نضر الله أمرؤا) ، (نضر الله وجه امرئ) هذا معناه الدعاء له بأن يزين الله وجهه يوم القيامة وأن يبعث فيه النور في الدنيا، (نضر الله وجه امرئ) يعني زين الله ونوّر وجه امرئ سمع فأدى، فإذا كان هذا الفضل فيمن سمع فأدى وهو ليس بعالم فيما سمع وفيما أدى، فكيف بفضل من وعى بعده تلك المقالة، فعمل بها وعلمها لاشك أن فضله عظيم.