فهرس الكتاب
أيضا من أنواع المجتمع من أصناف الناس في هذا التقسيم الرباعي أهل العلم، منهم أهل العلم والغيرة، هؤلاء هم الراسخون في العلم الذين علموا حدود ما أنزل الله جل وعلا وفقِهوا الكتاب والسنة، وسعوا في الإنكار على ما يقتضيه العلم، لم يكن العلم عندهم منعزلا عن الغيرة؛ بل الغيرة تحرّكهم على الإنكار وهؤلاء يصلحون ولا يفسدون، وإن كان إصلاحهم إنما يكون على المدى الطويل؛ لكنه إصلاح كمثل الغيث الذي ينبت الأرض وينفع الناس ولكن من الناس من لا يشاهد؛ لأنك ترى الأرض وقد أمطرت في تو اللحظة ولم ينبت منها النبات؛ ولكن بعد مدة زمنية طويلة شهر أو شهرين تراها أنبتت بإذن الله.
والدعوات والدعوة لا يظن أنها تقاس بالزمن فهذه أول الدعوات إلى دين الله جل وعلا دعوة رسول، هي دعوة نوح عليه السلام، إذ هو أول المرسلين دعا قوما مخالفين وقوم مشركين إلى دين الله جل وعلا، فهذه الدعوة مكثت في الأرض ألف سنة إلا خمسين عاما ومع ذلك ما استجاب لنوح إلا قليل كما قال جل وعلا {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} [هود:40] قال المفسرون: هم بضعة وسبعون رجل وامرأة، وقال آخرون: بل لم يزيدوا عن اثني عشرة رجلا وامرأة، وهذا لاشك أنه غريب إذ دعوة تمكث في الأرض هذا الزمن الطويل رسول مؤيد بالمعجزات ومؤيد بالبراهين ولا يكون معه إلا هذا العدد القليل.
إذن هذا برهان على أن الأمر في الدعوة، لابد أن يكون الصواب، وليس المدة وليس كم من مستجيب، إن نوحا عليه السلام مكث تلك المدة، وكانت دعوته صوابا لنه رسول من عند الله وفي دعوته ما ينبغي؛ بل ما يجب أن نأتسي به إذ لابد أن نصدق المرسلين ونتبع المرسلين.