فهرس الكتاب
هنا الأمر الثاني أن المجتهد في المسائل التي لا نص فيها إذا صار هناك وجهان للقول فإنه ينبغي له أن يختار أيسرهما؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، أما إذا اتضحت له المسألة فليس له الخيار {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب:36] ، فإذا كان كذلك فهذه القاعدة أعملها السلف في شرح أحكام الإسلام وأعملها السلف في المسائل الاجتهادية، إذا نزلت نازلة نظروا هذه فيها تضييق وهذه فيها سعة اختاروا ما فيه سعة.
ولأنه من القواعد التي اختارها الشافعي رحمه الله تعالى ووافقه عليها جمع من أهل العلم أن الأمر في الشريعة إذا ضاق اتسع وإذا اتسع ضاق، معنى ذلك أن المجتهد ييسر في الأمر.
قد قال سفيان الثوري رحمه الله فيما ذكره عنه النووي وجماعة قال: ليس العلم بالتشديد وإنما العلم الرخصة تأتيك من فقيه. لماذا؟ هذه الكلمة استغلها بعضهم في أن التيسير والترخيص في كل شيء، وهذا ليس بجيد؛ لماذا؟ لأن التشديد يُحسنه كل أحد إذا اشتبه على الواحد شيء، أتركه ما يصلح لا تأتي هذا، هذا يحسنه كل أحد، والمرء قد يتورع في نفسه؛ لكن فيما يفتي به الناس ينبغي أن ينظر ما ينبغي شرعا وألا يشدد على الناس، في نفسه قد يختار الأشد تورعا أو بعدا؛ لكن فيما يفتي به الناس ييسر عليهم في المسائل الاجتهادية.
قال: وإنما العلم الرخصة تأتيك من فقيه. يعني أن الفقيه يعلم كتاب الله جل وعلا، ويعلم سنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يعلم كلام أهل العلم، فيعلم أن هذه الرخصة لا تخالف الكتاب ولا تخالف السنة ولا نخالف ما أجمع عليه أهل العلم، حينئذ التيسير فيه مدعاة.