فهرس الكتاب
فإذن هذه المقاصد ليست هي التي رعاها العلماء، وإنما رعاها الشارع، والعلماء رعوا ما رعى الشارع، فإذا جاء عالم أو علماء ورعوا أشياء لم يدلَّ الشرع على اعتبارها بل دل على إلغائها فإنهم يكونون حينئذ مشرّعين في ما دل الشارع على إلغائه، وذلك مثل البدع، فمن أتى واستحسن البدع، وقال مثلا لو أقمنا الاحتفالات وأقمنا الموالد وأقمنا كذا مما يتقرب به إلى الله هذا فيه حض النفوس على التعبد، وهذا مقصد مطلوب أن تتعبد، فنقول هذا مقصد لم يرعه الشرع وإنما رعاه بعض العلماء وأخطؤوا في ذلك؛ لأن الشرع حكم بإلغاء هذا المقصد لأنه مقصد ليس بشرعي، وإنما مقصد أو مصلحة ملغاة.
فإذن في قوله هنا في التعريف (التي رعاها الشارع في تشريعه) نخلص منه إلى أنه لابد أن يكون هناك دليل واضح على اعتبار هذا المقصد وعلى استخراج هذا المقصد لمصلحة الخلق المقاصد التي اعتبرها الشارع لمصلحة الخلق مصلحة الناس؛ لا ليس مصلحة الناس؛ بل لمصلحة الخلق جميعا؛ لمصلحة الأرض، لمصلحة النبات، لمصلحة الحيوان، لمصلحة الهوى، لمصلحة العباد المكلفين من الجن والإنس.
فإذن المصالح الشرعية التي رعاها الشارع أكبر من أن تكون متعلقة بالمكلف، ولهذا إذا نظرنا مثلا في مبحث تلوث البيئة فإنه يُبحث من جهة المقاصد، مبحث استغلال خيرات الأرض نبحثه في المقاصد، إذا نظرنا إلى مبحث العناية بالحيوانات إلى آخره هذا راجع إلى مقاصد الشريعة ونصوصها، وهكذا، وكذلك إذا نظرنا إلى أحوال المكلفين في علاقاتهم ببعضهم أو في تصرفاتهم أو في تعبداتهم فإن هذا أيضا مرعي في جانب المقاصد الشرعية.
الأخير النقطة الأخيرة في التعريف أن علم المقاصد متعلق بالدنيا والآخرة، بمصالح الخلق في الدنيا والآخرة، ومعلوم أن الخلق منقسمون إلى مكلَّفين وغير مكلفين، ومن كان من المكلَّفين فإن مصالحهم مربوطة بالدنيا والآخرة، أما غير المكلفين فإن مصالحهم منوطة بما فيه صلاحهم في الدنيا.