فهرس الكتاب
من المقاصد التي رعتها الشريعة أن الشريعة جاءت بتخليص المكلف من داعية هواه. والقرآن العظيم ليس كتاب فلك ولا كتاب حساب ولا كتاب طبيعيات وإن كان فيه من أصول هذه العلوم ما فيه، لماذا؟ لأن هذه العلوم جميعا لا يدخلها الهوى، وإنما يدخلها الخطأ والصواب، من نظر إلى الفلكيات، فقال القمر يخسف لأجل كذا أو يخسف لأجل كذا، هو لا يتدخل بهواه، إنما يستكشف ما سيكون صوابا أو يكون خطأ، كذلك الحساب ليس لأحد هوى في أن يكون عشرة زائد عشرة تساوي خمسة عشر، هذه لا يدخلها الهوى، كذلك في أمور الزراعة وفي أمور الحيوان.
فإذن الكتاب والسنة لم تأتي في بيان هذه الأمور التي لا يدخلها الهوى، ولهذا لما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ للذين يؤبّرون النخل وأتى إليهم ورآهم يؤبروهم قال «لو تركتموه لصلح» أو نحو ذلك، فتركوه فأتوا للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ: إننا تركناه على ما قلت، وخرج [..] ، أو كما جاء في الصحيح فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ، أو بالرواية الأخرى فهي أثبت من حيث السند قال «إنما ومن تظن فلا تؤاخذوني بالظن» ، وهذا منه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ للتشريع لا لأجل أن يخسّرهم هؤلاء، وإنما صار منه هذا بأمر الله لك يثبت للأمة تشريعا في أن هذه الشريعة إنما جاءت لتخليص المكلّف من داعية هواه في الأمور التي يدخلها الهوى، أما الأمور التي ما يدخلها الهوى فيتضح له هي صواب أو خطأ، فالأمور التي يدخلها الهوى، شهوات الإنسان؛ شهوته في أن لا يكون مكلفا، شهوته في أن لا يحاسب في أخذ المال، شهوته في أن يأتي من النساء ويذر بحسب ما يرغب، يأتي شهوته كيف شاء وبحسب ما يرغب، هذه أمور له هوى فيها، يظلم من شاء يتسلط ويكون واليا، أو يكون متسلطا أو يون على ناس فيأكل أو يكون عند ناس يعملون، فيظلم بما يشاء ويترك من يشاء إلى آخره، هذه أمور يدخلها الهوى.