فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 2735

وما تقرر قد كتب فيه أن فقه الواقع السياسي هذا غير مشترط في العالم أن يفقه الواقع؛ بمعنى أن يفهم ما يدور في السياسة لأن السياسة أمر لا يعرف ولا يدرس فرعه، وإنما الذي يتعاطى الأخبار في ذلك غايته أن يعلم ما يجب، أما أن يفقه حقيقة ما يجري هذا في الواقع غير ممكن، ولهذا تجد أن كثيرون ممن تصدوا لمثل هذا يصيبون بعضا ويخطئون بعضا، فقد يكون الخطأ أكثر من الصواب، وذلك لأنه [بناء على الحدس] والظن، فإذن هو علم بالخبر وليس فقها.

ولهذا نقول إن الأحوال السياسية تُعلم، أما تفقه هذا صعب المنال حتى الساسة الفحول لا يفقهون حقيقتها، يمكننا أن نفقه من الواقع السياسي ما فقهنا الله جل وعلا به وهو الأصول الثابتة لعلاقة المؤمن بأعدائه، هذه أصول ثابتة نفقهها جيدا، مثل معرفة أعداء المسلمين قال الله جل وعلا ?وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا? [النساء:45] بين الله جل وعلا لنا أن المشركين جميعا أعداء لنا وأن اليهود أعداء لنا وأن النصارى أعداء لنا وأن المنافقون أعداء لنا، فهذا الأصل العام فقهه يكون بفقه الكتاب والسنة وليس بفقه شيء زائد عليه، فيكون المؤمن يأخذ حذره بالفقه المستنبط من الكتاب والسنة؛ لأن هذا الفقه الخاص المسمى فقه الواقع هذا لا يدركه علم -وليس فقها- لا يدرك معرفة إلا الخواص جدا، ومعلوم أن من القواعد الشرعية التي قررها الشاطبي وغيره في كتاب الموافقات وقررها غيره: أن الشريعة -شريعة الإسلام- أمية. يعني في تشريعاتها وفيما يطلبه الشارع من أهلها راعى فيها حال الأكثرين وهم الأميون، كما قال النبي صَلَّى الله عليه وسلم «نحن أمة أمية» وإذا علقت الأحكام بما لا يدركه إلا الخواص كان هذا قدحا في الشريعة؛ لأن الأحكام التي يحتاجها الناس جميعا هذا لا يعلق بها معرفة الخواص، ومعلوم أن حال المسلم بأعدائه هذا يحتاجه كل واحد، ولهذا بينه الله جل وعلا في القرآن مفصلا جدا.

فإذن القدر الواجب من ذلك -الذي يسمى الفقه الواقع السياسي- القدر الواجب منه الذي يجب على كل مسلم أن يعلم من ذلك الواقع: الواقع الذي أخبر الله جل وعلا به في كتابه أو أخبر به النبي صَلَّى الله عليه وسلم في سنته، وما هو أبعد من ذلك فإن هذا قد يكون من فروض الكفايات وقد يكون من المستحبات وقد لا يكون ممدوحا في بعض الحالات إذا كان معه التفريط في أصول شرعية؛ لأن هذه المسألة حادثة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت