وهذا يدل على أن الخطاب لتحقيق المصلحة ودرء المفسدة عن الأمة منوط في الأصل بحكم عقد البيعة بالإمام وولي الأمر، ثم هو منوط بنوابه سواء كانوا أفرادا أو جهات، لهذا من يلي المصلحة ويعلم بهذه المصلحة؟
أولا الإمام ولي الأمر، وولي الأمر علمه بهذه المصلحة وكونه هو المخاطب بتحقيق المصالح الدينية والدنيوية قد يكون لإدراكه لهذه الأمور بنفسه أو يغيره من أهل الحل والعقد من المستشارين من مجلس الشورى من مستشاريه من خاصته ممن يثق فيهم، قد لا يتعين أن يكون هو المخاطب بها فقط، بل هو مخاطب بها إما بقوته في نفسه أو بمن معه من أهل الرأي والحل والعقد والاستشارة من ذوي العلم والاختصاص كل أهل مجال وتخصص في تخصصهم.
أو النواب نواب ولي الأمر الأفراد أو الجهات، مثلا أمير بلد أمير منطقة أو محافظ بلد أو وزير أو رئيس جهة معينة أو نحو ذلك؛ لأنه لابد من التنظيم، ولما ولي الأمراء في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واتّخذ العمال قال في ذلك «من أطاع الأمير فقد أطاعني ومن عصى الأمير فقد عصاني» لأجل أنّ التفويض هنا تفويض رعاية المصلحة في هذه الفئة من الأمة والناس أناطها بنائب له في تحقيق هذه المصلحة، ثم عليه هو أن يحاسبه على ما فعل وتحققيه للمصالح الدينية والدنيوية في الناس.
وكذلك الجهات قد تكون المصلحة منوطة بجهة ليس بفرد، فينوب عن الإمام بحكم العقد العام؛ ينوب عنه في تحقيق المصلحة جهة مثلا جهة قضائية، جهة الفتوى، جهة إمامة المساجد، الأصل أنّ الذي يؤم المساجد من؟ هو الإمام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان هو النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان الإمام وكان القاضي كان المفتي، وكان هو الذي يؤم الناس في المسجد، وهذا مشى فترة من الزمن حتى توسعت البلاد فلجأ ولاة الأمر والخلفاء إلى التنظيم بتجزئة العمل، فصار كل له اختصاص.