فهرس الكتاب
روى الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: أنّ أحد طلبة الحديث رام طلبه ورغب فيه وحضر عند الأشياخ وجلس مجالسهم ثم لما مرّ عليه الزمن رأى أنّه لم يستفد شيئا ولم يُحصل كبير علم، فقال: إنّني لا يناسبني هذا العلم. وترك العلم لظنّه أنّ عنده في فهمه ركودة، أو أنّه لا يصلح لطلب العلم، قال: فلما كان ذات يوم -أي بعد أن ترك بمدة- مرّ على صخرة يقطر عليها ماءٌ قطرة تلو قطرة، وقد أثر ذلك الماء في تلك الصخرة فحفر فيها حفرة، فتوقف معتبرا ومتأملا ومتدبرا، فقال: هذا الماء على لطافته أثّر في هذه الصخرة على قساوتها، فليس عقلي وقلبي بأقسى من الصخر وليس العلم بألطف منه من الماء. فعزم على الرجوع إلى طلب العلم فرجع ونبغ وصار ممن يشار إليهم فيه.
هذا يفيدك أنّه يحتاج طالب العلم إلى العزيمة وأنْ لا يملّ، لا يقول أنا درست ودرست فما استفدت ليرجع إلى السبب، ليس السبب في طبعه في أكثر الشباب أو أكثر المقبلين على طلب العلم، ليس السبب هو أنّهم لا يفهمون، كثير منهم يفهم، ولكن السبب في عدم تحصيله العلم أنّه لم يسلك طريقه، ولم يأخذه على المنهاج الذي به تخرّج من سبقنا من أهل العلم، هذا الطريق سهل ميسور، وهو أسهل من الطريقة التي يسلُكُها الأكثرون اليوم.
إذا تبيّن هذا يحضر هنا السؤال المهم وهو يُرَدَّد كثيرا؛ يردده كثير من الشباب ويسألون عنه ألا وهو:
ما هي المنهجية الصحيحة في طلب العلم؟
كيف يسير طالب العلم في هذا الطريق على وفق المنهجية التي إذا وفّق الله جلّ وعلا العبد معها صار طالب علم ووفق إلى دراسته؟
وهو سؤال مهم للغاية، وحضور مجالس العلم مفيد فوائد جمّة، ومن أعظمها أن يتخرّج طالب العلم منها -من تلك الحلق- أن يتخرج فاهما لما أُلقي عليه ويستطيع به -أي بما فهم- أن يُفهم غيره.
أولا يحتاج طالب العلم إلى أن يكون عنده أخلاق ضرورية وصفات ملازمة له في مسيره لطلب العلم: