فهرس الكتاب
فمثلًا بعض طلبة العلم، يرجح دائما ما في (شروح كتب الحديث) على ما في الشروح المطولة في كتب الفقه، لأنّ شارح الحديث عندهم أكثرا استقلالا وأميل للاجتهاد من الذي ألَّف في الفقه، فينظر إلى أنّ ترجيح صاحب كتاب الحديث أوثق من ترجيح صاحب كتاب الفقه، هذا ليس صوابًا على إطلاقه، بل نجد أنّ شرّاح الحديث نزعوا في ترجيحاتهم إلى مذاهبهم، فمثلا، تجد أنّ الحافظ النووي في شرح مسلم رجَّح ما يرجحه الشافعية، وإذا دخل أيضا في استدلالٍ، وتطبيقٍ لأصول الفقه، فهو يطبق أصول الفقه الشافعية، فينظر الناظر إلى أنّه إذا قال في مسألة ما هذا الحديث صحيح، وهذه المسألة الراجح فيها كذا، لمجيء الحديث الصحيح بها، فيرجح من جهة ترجيح النووي، المنبني على صحة الإسناد، وهذا صحيح في كثير من المسائل، وغيرُ صحيح في بعض لهذا نجد أنّه رجح أشياء في مسائل الصواب خلافُها، لم؟
لأنّ صحة الإسناد، أو صحة الحديث، ليست كافية في الفقه، بل الأهم منها، أنْ ننظر في وجه الاستدلال من الحديث على المسألة وجه الاستدلال، يعني الاستنباط، كيف استنبط الحكم من المسألة، استنباط الحكم من الدليل، هذا يُرجع فيه إلى أي علم؟!
إلى أصول الفقه، الحكم بصحة الإسناد يرجع فيه إلى مصطلح الحديث وإلى علم الرجال، في كلا الأمرين المصطلح والرجال، وعلم أصول الفقه، هذه كلّها لها تبعات ولها خلفيات سابقة، فتجد أنّه رجّح صحة الإسناد لمذهبٍ له في الإسناد.
فمثلًا، تجدُ أنّه يرجح صحة الترجمة المعروفة (( عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ) )، أو يرجح صحة (( بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ) )، أو ما أشبه ذلك، وغيره قد ينازعه في ذلك، كذلك من جهة رجل، هل هو ثقة أم ليس بثقة، هل هو صدوق أم هو يهم، هل هو مقبولُ الرّواية في هذا الباب أم ليس بمقبول الرواية، هل هو مقبول الرواية عن هذا الشيخ أم ليس بمقبول الرّواية وهذا مما يدخل في علم علل الحديث.