ثم جاء في الشريعة في أن يخفي الكفر ويظهر الإسلام، وهكذا عرف العلماء النفاق بأنه إظهار الإسلام وإبطان الكفر، أخذا من قول الله جل وعلا {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا} [البقرة:8-10] ، وسورة البقرة ذكر الله جل وعلا فيها -وهي ثاني سورة في القرآن- ذكر في أولها صفات المؤمنين في آيات قليلة ثم صفات الكفار، ثم ذكر جل وعلا المنافقين وصفاتهم في آيات كثيرة، وهذا يدلك على أن العلم بهذا الأصل ومعرفة حدوده من العلم بكتاب الله جل وعلا ومن أهم المهمات.
فإذن النفاق في الشرع أن يُبْطِن الكفر ويظهر الإسلام يعني في قلبه في داخله ليس بمؤمن ولا يؤمن بالتوحيد، ولا يؤمن برسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يؤمن بالبعث بعد الموت؛ بل وأيضا يوالي الكفار ويحب انتصار غير دين الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونحو ذلك، وفي الظاهر يظهر الإسلام وربما يصلي مع الناس أحيانا، وربما أظهر بعض الشعائر؛ لكنه منطوٍ في قلبه على الكفر بالله وبرسوله وباليوم الآخر.
قال بعض العلماء: إنه في الأصل مشتق من نافقاء اليربوع، اليربوع الذي هو الجربوع، هذا كما هو معروف بيته يكون له مخارج مختلفة؛ يعني أنه يخدع من يأتيه، إذا أتاه من هنا خرج من هناك؛ يعني أظهر أشياء وأخفى الحقيقة.
إذا تبين ذلك فإن حقيقة النفاق لم تظهر في الإسلام إلا بعد ظهور دولة الإسلام في المدينة، أما في مكة لما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها والمستضعفون من المؤمنين فإنه لم يظهر المنافقون؛ لأنه من شاء آمن ومن شاء كفر.