فهرس الكتاب
هؤلاء المنافقون في عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إخوانهم مسلمون، أعداؤهم مسلمون، عشيرتهم مسلمون؛ ولكن أفرادا منهم عاشوا في النفاق مغموسين في النفاق إلى أن لقوا الله، يصلون وراء رسول الله، ويصومون معه، ويجاهدون معه، ويسمعون القرآن، ويرون فتوحات الإسلام، وعز الإسلام وانتشار الإسلام وعلو الإسلام، وما زادهم ذلك إلا ضلالا وبعدا عن الهدى، كلما سنحت فرصة لهم تنطلق ألسنتهم وتتحدث عما أكنته قلوبهم من الحقد على الإسلام وأهله، رأوا كل الآيات والعلامات ومع هذا ما ازدادوا إلا نفورا وبعدا عن الهدى والعياذ بالله.
في غزوة تبوك وبعد أن فتح الله مكة على نبيه زانت الجزيرة العربية بالإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، المنافقون لا يزالون في نفاقهم ولا يزالون في ضلالهم ولا يزالون في غيّهم رغم وضوح الأدلة وبروز الحق وعلوه؛ ولكن كما قال الله جل وعلا {وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [يونس:101] .
ولهذا كان المؤمن الذي يرى الإيمان نعمة وفضلا من الله عليه إذا عرف أسباب النفاق خاف من النفاق وخاف أن يدخل إيمانه نفاق من حيث لا يشعر، وأن يلبّس الأمر عليه وأن يضل سعيه من حيث لا يعلم {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104] قال بعض السلف: ما خاف النفاق إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق.
والمؤمن يخاف على نفسه، لا يأمن العواقب ولا يثق في نفسه؛ بل هو يلجأ إلى الله في كل آن وحين، أن يثبته على قول ثابت وأن يعيذه من النفاق قليله وجليله، وأن يعصمه من هذه الشبهات والضلالات.