كذلك الجهة الأخرى وهي أنهم في دعوتهم وفي أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وفي تعاملهم مع الخلق يتصفون بصفة في كل أحوالهم وأحكامهم، وهي أنهم يتقون الله جل وعلا في ألسنتهم؛ فلا يقولون إلا بالحق، كما قال جل وعلا في أمره لعباده {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء:53] ، فالمتحقّق بصفة أهل السنة والجماعة وبصفة الطائفة المنصورة وبسماتهم فأنه لو أغضبه من عنده فأنه يكتم ويصبر ولا يقول إلا التي هي أحسن، لماذا؟ لأن المُرَادّة والمضادّة تُحْدِثُ تَفَرُّق، والله جل وعلا أمر بالاجتماع ونهى عن التفرق، الإصلاح يكون بالطريقة السّويّة سواء بين الأفراد، أو بين فلان وفلان، أو بين فئة وفئة، أو بما هو أكبر، يكون بالطريقة الشرعية الصحيحة.
فإذن من سماتهم سلامة ألسنتهم، قيل للإمام أحمد لا نراك تتكلم في فلان قال يا عبد الله -يعني ابنه- وهل رأيت أباك يوما يسب أحدا؟ -ليش ما تسبّ فلان وفلان، حتى ولو كانوا- قال: وهل رأيت أباك يوما يسب أحدا؟. وقال الإمام أحمد رحمه الله: ودِدتُّ أنّ جسمي قُرِّضَ بالمقاريض وأنّ الخلق أطاعوا الله جل وعلا. وقال آخر من السلف الصالح رضوان الله عليهم: نحن أنفع لهؤلاء من أنفسهم؛ يريدون أن يقتحموا، ونحن ندعوا لهم أو نأمرهم وننهاهم.
لهذا مسالة أن يكون المرء صاحب عقيدة توحيد وفي كل زمان ومكان تجده صاحب غيبة، ويقدح في فلان، ويسبُّ فلانا، هذا يُظلم القلب ويُصَيِّر في القلب قسوة، والقلب محتاج إلى النور، والمخالفة بالاعتداء بالكلام أيضا بحسب الكلام المعتدى عليه، قد تعدي على صاحب مقام رفيع فيكون أعظم في حقه.
فرق ما بين النصيحة وما بين التشهير في بيان الحق حتى يعلم الناس أن غيره باطل، وما بين السّب والشتم والألفاظ التي ليست من سمات المتحققين بمنهج السلف.