كما قال جل وعلا في هذا البرهان الأخير {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:28] ، فوجود الفئات المختلفة المطيع والعاصي، وجود الكافر والمؤمن، يتحكم معه عند ذي العقل إذا آمن بربوبية الله جل وعلا أن الرب لن يساوي بين هؤلاء؛ بل لابد أن يجعل هذا على حال وذاك على حال، ومن المنظور في الدنيا أن الدنيا أعدت للكافر وأما المؤمن ربما لم يأخذ حقه ونصيبه من النعيم في هذه الدنيا، فتقرر بأنه لابد وأن يكون المطيع للرب الذي خلق هذا الملكوت أنه سيحظى في نعيم الله جل وعلا، وهذا النعيم لابد أن يكون له معاد.
من البراهين قصة خلق آدم عليه السلام، فإن آدم خلقه الله جل وعلا وابتدأ خلقه من طين، من تراب، صلصال، حمأ مسنون، فلما اكتمل خلقه نفخ الله جل وعلا فيه الروح {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص:72] ، وهذا الابتداء -ابتداء للخلق أول مرة- برهان على الإعادة لأنك تجد أن الإنسان إذا مات ينعكس هذا الخلق.
فآخر ما دخل فيه الروح، وأول ما يخرج منه عند ابتداء الحياة الآخرة أول ما يخرج منه الروح، فبه صار بشرا سويا؛ بدخول الروح، فإذا أراد الله جل وعلا أن يميته أمر الملائكة بأن يقبضوا روحه فيبقى جسدا -يعني الإنسان- مثل ما كان أول مرة، جسدا لا روح فيه، لو نفخ فيه الروح صار حيا.
ثم بعد ذلك لو انتُظر بهذا الجسد قليلا بعد فراق الروح لانتقل إلى الحال قبل دخول الروح فيه أول مرة، ثم الحال التي تليه، ثم الحال حتى يكون ترابا رميما في القبر.