فهرس الكتاب
لسنا هنا بصدد نقد ذلك الإعلان الوثائقي، وما تبعه من تصحيحات وإضافات، لكننا بصدد بيان أن حقوق الإنسان الكاملة، وحقوق الإنسان العالية أعطاها رب الإنسان للإنسان، والبشر إذا أراد أن يُعطي الحق لغيره، فإنه لن يسلم من الهوى، فالذي يقنن القانون أيًا كان، فانه سيدخل فيه هواه، ولهذا تجد أن القوانين الغربية، كالقانون الفرنسي والقانون الأمريكي وغيرهما من القوانين، تخضع للتغيير بين فترة وأخرى، إما لأن أول ما نشأ القانون كان لأجل مصلحة إما للدولة في إنشائه، أو لنفوذ من الكبراء في تلك الدولة في بعض المسائل، أو لتغير الزمان، تغير الزمان فتغيرت الأحوال، ولهذا بين الله جل وعلا أن حكم الجاهلية هو حكم الهوى، فقال سبحانه: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) ، لأن كل حكم يخالف حكم الشريعة، فلابد أن يكون قد تسلط عليه، الهوى فمنع من الصواب، والهوى لاشك يحرف عن أداء الحقوق على ما هي عليه.
إذن فتلك المبادئ قامت على أساس نظر بشري، يدخله الهوى، تدخله مصالح الدول الكبرى، ورغبتها في السيطرة على الدول الضعيفة أو الدول التي فيها خيرات.
بعد هذا العرض، إذا رأيت ما كان الناس عليه قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام سواء العرب، عرب مكة وما حولها، أو من في الجزيرة، أو من في الشام، والعراق، ومصر، وفارس، والروم، وجدتَ أن باب سلب الحريات مفتوح على مصراعيه، وأن المساواة منفية؛ بل ثَمّ شريعة الغاب، بأن القوي يأكل الضعيف يتسلط الناس بعضهم على بعض، ولهذا قال ربعي لقائد الفرس، لما قال له: ما الذي جاء بكم؟ يعني أنتم عرب، ما الذي جاء بكم إلى أرض فارس، قال: إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.