فهرس الكتاب

الصفحة 1947 من 2735

ثم إذا نظرت إلى الحريات الأخلاقية فإنها بالإسلام ليست مطلقة، لك أن تكون كما تشاء؛ ولكن فيما إذا أغلقت عليك دارك، أما في دار الإسلام وفيما تُظهره ليس لك إلا أن تُظهر الإسلام؛ لأن الحق ليس لك وإنما هو حق عام للمسلمين الذين هم أخص الإنسان ونخبة الناس.

أما إذا أغلق المرء عليه داره فمن أغلق عليه داره فهو آمن وحسيبه الله جل وعلا بشرط أن لا يتعدى ضرره إلى غيره من المسلمين.

إن للإنسان المسلم حقا وعليه حقوقا؛ لكن ليس له في الأخلاق من حق ليغشى ما يشاء، وأن ينتهك الأعراض فيما يشاء، وأن يعبث كما يشاء؛ لأن هذه حقوق للمسلمين بعامة، وليس له أن يقدم حقه على حق المسلمين بعامة، والله جل وعلا أوجب علينا تجاه غيرنا حقوقا كثيرة.

فليس إذن ثم حرية، ليس إذن ثم حرية مطلقة في أن يختار الإنسان ما يشاء من الأخلاق؛ بل إنه إذا اختار ما ينافي الشريعة في دار الإسلام فإنه يؤمر ويُنهى ويعاقب على مخالفته أمر الله جل جلاله.

إذا نظرت مثلا إلى حرية الرأي فإن كثيرين حتى من المسلمين ظنوا أن حق الإنسان يجعل له أن يُدلي برأيه كيف يشاء، يدلي برأيه على أي وجه يختاره، وهذا ليس في شريعة الإسلام؛ بل إن المسلم في دار الإسلام؛ بل إن المسلم وغير المسلم في دار الإسلام ليس له أن يبدي من الرأي ما يبثّ في جماعة المسلمين أو يشكك في دينهم أو أن يكون ذلك الرأي رأيا شخصيا يعود على جماعة المسلمين بالضرر، وعلى هذا سار خلفاء الأمة؛ سار الخلفاء الراشدون.

فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أتى رجل في المدينة يقال له صبيغ بن عسل لما أتى وقال أقوالا في القرآن وبثّها على أنها رأي من رأيه، أتاه عمر وعَلاَه بالدرة وضربه قال: كيف تجدك الآن؟ قال: يا أمير المؤمنين ذهب الذي كنت أجد في رأسي. فنفاه عمر عن المدينة حماية للناس.

وهذا أبو ذر رضي الله عنه وهو صحابي من الصحابة، لما خالف خليفة المسلمين عثمان بن عفان وأثار بعض الآراء التي له وهو صحابي من الصحابة، وأراد منه عثمان أن يكفّ فلم يسكت أبو ذر عن رأيه نفاه عثمان إلى خارج المدينة إلى الربضة ومات فيها.

وهذا معروف في التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت