صِنْفٌ آخر يبتلى بالنعم وتفاض عليه الخيرات، يجب عليه أن ينظر في نفسه إذا كان غير مؤمن بالله الإيمان الكامل؛ إذا كان مفرطا في الواجبات، مفرطا في حقوق الله جل وعلا وبحقوق الخلق، مقبلا على المحرمات لا يرعى لله حرمة، ولا يرعى للخلق حقّ، وأُنعم عليه بالنعم، فليعلم أنما ذلك ابتلاء واستدراج من الله كما ثبت في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال «إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فليعلم أن ذلك استدراج» لأنه استدراج حيث قال تعالى ?سنَسْتَدْرِجُهُمْ وَمِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (*) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ? (1) إن الله جل جلاله يغار على حرماته، ومع ذلك يفيض الخير على من لم يستقم على أمره تارة، ليبتليه وليختبره، ثم ليعلم أولئك أن ذلك إنما استدراج؛ لكي ينظر الناس في حالهم بعد أن تأخذهم العقوبة.
والمؤمن عليه أن يرجع إلى ربه دائما بما أعطاه الله من النعم وأفاض عليه من الخيرات، فإن كان مؤمنا سليم الإيمان مقيما على الطاعات مبتعدا عن المحرمات سعى في شكر ذلك في استعمال النعم في مراضي الله، وبأن يضيفها وينسُبها إلى من أولاها أسداها، ثم إنه ينعم بها على من حرمها، من كان على غير استقامة؛ على معصية، على موبقات، وعلى تفريط في الواجبات، وأُنعم عليه فليعلم أنّ ذلك استدراج، فعليه أن يستيقظ من الغفلة وأن يستيقظ من السِّنَة التي غشيت عقله وعلت فؤادَه، فإنّ المرء إذا أصابته الغفلة خسر ثم خسر خسرانا مبينا.
الطائفة الأخرى من الناس لا تبتلى بالنعم، إنما تبتلى بالمصائب من الله جل وعلا بأنواع المصائب؛ إما بنقص في الأموال، وإما بمصائب بدنية، وإما بمصائب عامة أو خاصة، وتلكم المصائب موافقة لحكمة الله، موافقة لقَدَر الله، موافقة لسنة الله التي أمضاها في خليقته، منذ خلق السموات والأرض، ومنذ دبَّ آدم على وجه الأرض.
فتارة يكون من ابتلي بالمصائب ابتلي بالأمراض، ابتلي بالموت، ابتلي بالجوع، ابتلي بنقص في الأموال، تارة يكون مؤمنا فردا أو جماعة أو أمة.
(1) الأعراف:182-183، القلم: 44-45.