فهرس الكتاب
فإذا نظر طالب العلم في العبرة أين العلماء والأئمة والجهابذة عن قوة التأثير في دولة من الدول أو في زمن من الأزمنة؟ لماذا لم يقلبوا أهل الزمان ولا أهل الإسلام في وقت من الأوقات إلى أن يكونوا صالحين مجاهدين مؤثرين مطيعين؟ لأنهم لا يستطيعون، ولأن أمر الله جل وعلا نافذ، ولأن حكمته بالغة.
فإذن تستفيد من التاريخ أن ما من حقبة تاريخية مرت فيها مفاسد كثيرة وفيها من البلاء كثير، إلا وأهل العلم الراسخون والأئمة إلا وهم يؤثرون؛ ولكن ليس بشرط أن يكون التأثير يقلب الحقائق يقلب الواقع، ويغير التغيير الذي يرجوه من لا يعرف كيفية التعامل مع الناس.
حركة المجتمع تنظر إلى التاريخ القديم والحديث إلى أن حركة المجتمع بأجمعه؛ حركة الدولة، حركة الوزراء في الدولة، وحركة القواد، وحركة الناس، وحركة المنتفعين، وحركة المتسلطين، وحركة من يعمل ويصنع، هذه لاشك أنها ستجابه كل وسيلة من وسائل الإصلاح ووسيلة من وسائل التأثير الشرعي المحمود؛ لكن ما الذي صنعه أهل العلم؟
إذا نظرنا في عهد الصحابة كيف أثروا؟ كان تأثيرهم محمودا وعظيما لما كانوا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان؛ لكن لما حصل الخلاف والناس مرجت عهودهم من عهد علي رضي الله عنه ون بعده صار تأثيره ضعيفا، ولم يكن التأثير السابق، لهذا تذكر الكلمة عن علي رضي الله عنه لما قيل له: يا علي لما لا تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر؟ قال: لما كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كان الجنود أنا وأمثالي، أو كانت الرعية أنا أمثالي، ولما أتيت كانت الرعية أنتم وأمثالكم.
وهذا بلا شك يحرج المصلح، ويحرج من يريد التأثير، فإذا نظر طالب العلم في التاريخ، نظر إلى أنه مهما عظم قدر المصلح، أو عظم قدر المؤثر أو قدر العالم فإنه سيؤثر، ولكن التأثير القليل، إلا إن كان الله جل وعلا أراد له أن يكون يعني في زمانه أن يكون يقلب التاريخ رأسا على عقب فإن هذا ربما حقق.
إذا نظرت إلى قوة شيخ الإسلام ابن تيمية العلمية والجهادية في زمنه وقوة لسانه وقوة قلمه وقوة حاله، رأيت أن تأثيره لم يكن التأثير الذي يواكب أو يقارن تلك القوة والملكة العلمية والجهادية واللسانية.