فهرس الكتاب

الصفحة 2058 من 2735

لكن إذا أتيت ونظرت مثلا إلى دعوة وأثر الإمام المصلح شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهو لاشك أقل من شيخ الإسلام ابن تيمية علما ولسانا وكتابة وهم درجات عند الله؛ ولكن كان تأثيره أعظم وأعظم ونفعه ونشر الخير في بلده وفي الجزيرة وفي خارجها ورد الناس إلى حقيقة الدين وحقيقة الإسلام أكبر وأكبر، علمت أن هذا منوط بالتأثير في التاريخ والنظر في حال الدول وقوتها وفي ضعفها وكيف يكون التفاعل مع ذلك.

فإذن ليس من شرط من نَظر نظر عبرة، وهذا الحس إذا نظرت إليه لا تجد أنّ أهل العلم الماضين قد أثّروا في التاريخ وأثّروا في الدول وفي الإصلاح وفي بثّ الخير أثرا متساويا؛ بل كل بحسبه، وبحسب زمانه، وبحسب ما قدر الله له، وبحسب ما يجد من القبول؛ ولكن نظن في الجميع أنهم يجاهدون والناس فيهم ما بين قادح وما بين مستنقص، وما بين مقتد ومحسن للظن، وهم أهل النظر الصحيح، جعلنا الله جل وعلا منهم.

بهذا فإن التأريخ في الحقيقة يحتاج إلى نظر عبرة وليس بنظر إلى قصص مجردة.

الحس الثالث نقد المروي: وقد ذكرت لك أن التاريخ لم يجعل له مصطلحا اسمه مصطلح التاريخ أو أصول قراءة التاريخ ونحو ذلك، ولم يكتب أحد من أهل الإسلام شيئا في ذلك.

وقد رأيت كتابا لمتأخر من الدكاترة الكتاب صدر من نحو خمسين أو ستين سنة بعنوان مصطلح التاريخ لأحد الدكاترة في لبنان أصدرته الجامعة الأمريكية في بيروت، وكان صنيعه حسنا في أنه أراد أن يطبق مصطلح الحديث في نقد الرواة وفي نقد الروايات، وبيان العلل علل الرواية من حيث هي على التاريخ، بحيث تجمع الروايات وينظر ما فيه تعارض منها فينفى وما فيه زيادة ثقة، يعني أراد أن يطبق مصطلح الحديث على التاريخ لكنه لم يثاب على ذلك، ولاشك أن تطبيق مصطلح الحديث الذي هو أعني الحديث الذي هو المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي العظيم سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يجعل نقد المرويات التاريخية كنقد سنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس كذلك؛ لكن لم يتصدر أحد لهذا.

لهذا ينبغي أن تنظر إلى المروي بنظر منطقي بنظر عقلي، هل يعقل أن يكون مثل هذا أو لا يعقل؟ (وهل يعقل) ليس بنظر نظري بحت، ولكن بالنظر إلى دراسة حقبة معينة لذلك التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت