فهرس الكتاب
لكن الصحيح منها أنّ القدر سابق، وأن القدر أساس، وأن القضاء هو إنقاذ ذلك القدر، فقدر الله جل وعلا سابق، وما سيقع هذا قضاء قضاه الله جل علا ?فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ? [سبأ:14] قضى هذا الشيء، انتهى، حصل، وُجد، فهذا هو القضاء فقبل أن يقع هو في القدر في قدر الله جل وعلا، ثم إذا وقع أصبح قضاء قضاه الله جل وعلا، والقضاء أتى في كتاب الله جل وعلا على أنحاء، فمنها القضاء بمعنى الإخبار بمعنى الوحي، كما قال جل وعلا ?وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ? [الحجر:66] قضينا إليه ذلك الأمر يعني أوحينا إليه وأخبرناه، وهذا يتعدى في القرآن بـ (إلى) بمعنى الوحي يتعدى قضى بـ (إلى) فيكون معناها الإخبار؛ الإخبار والإيحاء، ومثله قوله جل وعلا في سورة الإسراء ?وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ? [الإسراء:4] ، فقوله ?وَقَضَيْنَا إِلَى? هذا القضاء بمعنى الإخبار بما سيكون، فهو مرتبط بمعنى القضاء الذي سبق عن أن بينته لك؛ لأنه إخبار بالمقضي إخبار بما سيكون ?وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ? الفساد سيقع، وهو قضاء واقع، ولذلك أخبر الله جل وعلا به، فيفيد إذن الإخبار بلفظ (القضاء) زيادة عن مجرد الإخبار؛ لأنه إخبار بالشيء الذي سيقع ?لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ? [الرعد:41] ، سبحانه وتعالى، فهذا تنوع وليس هو بمعنى القضاء الذي يقترن بلفظ القدر.
فإذن تبين لك أن القدر والقضاء بينهما فرق من حيث إن القدر سابق، والقضاء إنفاذ ذلك القدر.
فمثلا أنت لا تعلم ماذا قدره الله جل وعلا عليك، وما ستفعله أنت غدا، لا تعلم ذلك.
فإذن ما ستفعله هذا الذي لا تعلمه من قدر الله جل وعلا، لا تعلمه، ثم أنت إذا حصل ذلك قمت غدا وذهبت إلى عملك أو إلى كليتك أو إلى مدرستك، ذهابك هذا، هذا قضاء قُضي عليك بهذا الفعل.
فإذن قبل أن يَحصل الشيء هذا يسمى هذا الشيء قدر الله، وبعد أن يحصل يسمى قضاء، وربما سمي قدرا.