فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 2735

فإذن الأخلاق والقيم كانت موجودة عند العرب قبل الإسلام، وإذا كان مرجعها إلى العقل والتفكير والمجتمع العربي في ذلك الوقت القبلي أو القروي -يعني المدني- على ما فيه من ضعف أو ما فيه من اتجاهات كوَّن مجموعة من القيم أو من الأخلاق يربي عليها الشباب في وقته ويتتلمذون لها ويَنشؤون عليها، فإن الإسلام لم يُلغِ القيم والأخلاق النافعة في الجاهلية، بل استفاد مما هو موجود ونماه لأنه لا يمكن تجاهل القيم المفيدة لأي مجتمع ما؛ لأن روح الشرعية جاءت لرفع الإنسان إلى المستوى الذي أذِنَ الله جل وعلا له به من كرامته -يعني في نفسه وفكره- وتفضيله على كثير من المخلوقات كما قال جل وعلا ?وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا? [الإسراء:70] .

فإذن هذه المجموعة من الأشياء التي كانت في الجاهلية وكانت عند العرب جاء نبيُّنا عليه الصلاة والسلام بتنميتها وتتميمها «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ، الأخلاق الكريمة والقيم الكريمة هذه يستفاد منها -إذا وُجدت بمسمى العادة أو بمسمى الخلق أو بمسمى القيم- بما يتفق مع روح الإسلام في تحديد عبودية البشر لخالقهم جل وعلا، ومعلوم أنَّ الإسلام جاء باتجاهين كبيرين:

الاتجاه الأول: في صياغة المسلم في نفسه.

والثاني: صياغة المجتمع المسلم ليبقى للمستقبل ولكي يواجه متغيرات الحياة والحركة الدؤوبة.

ولذلك لا غرابة أن تكون المجتمعات؛ بل الأجيال يمكن أن تمثل بكائن حي له حركته المطلقة، له حركته التي لا تتوقع ما تُنتجه، لهذا كان من اللوازم أن يُستفاد من كل المعطيات الموجودة في القيم وتنمَّى حتى يمكن أيضا أن يقدَّم شيء يجمع ما بين الاستفادة من الحاضر والنظر للمستقبل.

وهذا الذي كُوِّن عليه شباب الصحابة رضوان الله عليهم، ولهذا كان أكثر الصحابة شبابا، كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى ?إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى? [الكهف:13] ، وكذلك كما سيأتي في قوله تعالى ?فَمَا آمَنَ بِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوَنَ وَمَلَئِهِم أَنْ يَفْتِنَهُمْ? [يونس:83] ، وهنا قال (ذُرِّيَةٌ) يعني أنهم كانوا شبابا يمكن الصياغة للمستقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت