وكذلك ما يحصل من أن طالب العلم قد يكون عنده مما يُشغله ما يفرِّط في سؤال أهل العلم عما يشكل، وفي مطالعة العلم قبل أن يذهب أهله، فإنه لا يدري متى الناس يحتاجون إليه، وابن عباس رضي الله عنهما كان صغيرا، وكان يسأل الصحابة ويتلقف العلم من هنا وهناك حتى رجع الناس إليه، قال له صاحب له من الأنصار: أتظن يا عبد الله أن الناس يحتاجون إليه وهؤلاء صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم. فهذا ابن عباس استمر وحصّل ونظر حتى بعد أن تولى الولايات، وقد ولاه علي رَضِيَ اللهُ عنْهُ إمرة الكوفة ومكث فيها زمانا، ثم رجع إلى مكة وتولّى أيضا ولاية أخرى، وكذلك غيره؛ ولكن مسيرة العلم واحدة، وفي العمر -عمر الإنسان- قد يعوقه هذا العائق من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر، فإذا كان طالب العلم صاحب عزيمة، فإنه يجعل الأصل عنده استمراره في العلم، بأي نوع يختاره لكن لا يتقطع عن العلم، ثم غيره مما يكلف به أو مما يعينه عن أمر دينه ودنياه من أنواع الأعمال لا تصده عن ذلك، وكذلك أهله وأسرته ونحو ذلك، يأخذ من كل شيء بقدر ويعطي كل ذي حق حقه.
من الحجب أيضا قول بعضهم: العلم يصرف عن الدعوة والناس اليوم يحتاجون إلى الدعوة، وأما العلم فلا يحتاجون إليه.
وهذا مخدر كبير، أدرك كثيرين فأصابهم، وهو أنهم يقولون: العلم الدعوة أهم منه، تصاحب الشباب تذهب معهم، تخالط تذهب تعظ أو تشتغل في شيء؛ لكن العلم ليس مؤثرا، أو متى ستؤثر بالعلم بعد سنين طويلة جدا، وهذا مخدر وحجاب كبير، وناشئ من غلط فهم العلم والعمل الأصل أن العلم يتجزأ وأن الدعوة أيضا متبعضة ومتجزئة، فالعلم لا يأتي جميعا، والدعوة أيضا لا تأتي جميعا.
فطالب العلم إذا علِم علَّم ودعا بحسب ما يُفتح له من هذا الباب، فيجعل ميدانه في العلم وفي التأثير بحسب ما يُعطى، والانشغال عن العلم بالدعوة يورِث أن تكون الدعوة على جهل، وهذا هو الذي أصاب الكثير من الناس.
الناس في هذا أصبحوا ثلاث طوائف:
إما أن ينقطع للعلم ولا يؤثر شيئا.
وإما أن يتجه للدعوة وهو جاهل أو شبه الجاهل.
وهذا مذموم وهذا مذموم؛ لأن العلم الذي لا ينفع صاحبه ولا ينفع به غيره هذا غير نافع يعني للناس، وطالب العلم إذا علم قلّ أن يعلم ويحفظ هذا العلم في الأمة، فإذا صار معك العلم فإن الدعوة تكون بحسب ما أوتي العبد من العلم.