فهرس الكتاب
هذا العلم كما عرفه ابن القيم في النونية، العلم مصدره ودليله قال الله قال رسوله، القرآن كله بما فيه من العلم بالله والعلم برسوله والعلم بما وراء الغيب -الجنة والنار وما أعدّ الله- والعلم بالأحكام الشرعية والحلال والحرام، هذا كله الذي في القرآن سماه الله جل وعلا موعظة فقال جل وعلا ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ? [يونس:57-58] ، وفضل الله ورحمته القرآن، والموعظة التي جاءت القرآن، والشفاء لما في الصدور الذي جاء والهدى والرحمة هو القرآن، فالقرآن موعظة بكل ما فيه، فالعلم هو أكبر موعظة، العلم النافع لا يقسي القلب، العلم النافع يخشع معه القلب ويلين؛ لكن خشوع قلب العالم أو طالب العلم ليس كخشوع قلب العابد الجاهل، فإن ذاك قد يأتيه من الخواطر أو من الإيمانيات ما يجعله في الظاهر ألين قلبا؛ لكن ذلك في الحقيقة ألين قلبا وأخشع وأخضع، كما هو ظاهر من حال الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا أقوى ومن بعدهم كانوا إذا تليت عليهم بعض الآيات أو إذا ذكرت عليهم بعض القصص والرقائق ربما خر بعضهم مغشيا عليه لأجل رقّة قلبه، ورقة القلب ولينه ليس هو الأمر المحمود؛ بل لابد أن تكون رقته ولينه على وفق ومقتضى العلم النافع.
ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم ابن تيمية وغيره قالوا: إن من غُشِي عليه من السلف ووجود هذا فيهم لأجل قوة الوارد وضَعف القلب عن الاحتمال.
وهذا صحيح فإنه إذا صار الوارد قويا والقلب ليس فيه من قوة العلم ما يحجبه أو يكون قويا على هذا الوارد فإنه قد يسقط صاحبه، ولهذا قلب طالب العلم ليّن خاشع خاضع بحسب حاله وبحسب ما أعطاه الله؛ لكن أيضا هو على بصيرة من الدين.
تُسرع البدع إلى قلوبٍ والأهواء إلى قلوبٍ فيها لين وليس عندها تحصين بالعلم النافع، قد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «أتاكم أهل اليمن هم أرقّ أفئدة» وهذا ظاهره المدح لهم وفيه ما يشير إلى أنه تسرع فيهم الأهواء لأجل رقة تلك الأفئدة، فالفؤاد الرقيق أو العاطفي أو تقول المتحمس أو كثير الوجل والخوف قد يأتيه أهل الأهواء فيجرفونه، وأمّا العلم فإنه يعطي الخشية ويورث الخشية لكنها خشية العلماء وليست خشية العباد الجهلة.