فهرس الكتاب
ولهذا جاء في الأثر أو في الخبر: عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. هذا وإن كان في إسناده مقال؛ لكن ربما يصح موقوفا، وظاهره معناه الصحة لأن العالم لا يستطيعه الشيطان لا من جهة الشبهات ولا من جهة الاستمرار على الشهوات، قد يغلبه في شهوة أو قد يغلبه في شبهة؛ لكنه يستبصر فيعود في بصيرة من جهة بيان الحق في الشبهة، ومن جهة سلامة القلب من الشهوة بالاستغفار والإنابة.
فإذن العلم يورث خشوع القلب ولا يورث قسوة القلب والعياذ بالله، ومصداق الله ذلك في قوله تعالى ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? [فاطر:28] ، يعني أن أهل الخشية الحقيقة هم العلماء هذا جاء على سبيل الحصر ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ? يعني إنما يخشى من عباد الله جل وعلا العلماء، كأن البقية ليسوا من أهل كمال في الخشية، وخشية العلماء تختلف بحسب حالهم، وبحسب ما هم عليه.
فإذن إذا كان طالب العلم وجد في قلبه شيئا من قسوة أو إقبال على ذنب أو تفريط في أمر الله فلا يُرجع لك إلى العلم فيسيء الظن بالعلم، أو ينظر إليه غيره فيجده كذلك فيرجع ذلك غلى العلم حاشا وكلا.
وإنما مرجع ذلك غلى شهوة خفية وإلى مرض في النفس، قد يكون مع العلم، هناك مرض في النفس مع العلم، إما مرض شهوة يلازمها، وإما مرض شك يكون معه، وإما مرض شهرة، وإما مرض جاه، وإما مرض تكبر وأشباه ذلك.
حتى إنّ من أهل العلم من كان لا يرضى أن يسمى أن يخاطب إلا بالملك يعني في الزمن الأول، كما قيل ملك العلماء فلان، وملك النحاة فلان، كان لا يرضى أن يسميه أحد بأبي فلان أو بالعالم أو العلامة حتى يقال ملك النحاة، هذه شهوة خفية تكون في الإنسان، وهذا لا يكون مرد عدم الخشية إلى العلم ولكن لأجل مرض في النفس، وهذا يعالج بحسب ما هو عليه.
أما العلم فإنه يورِث الخشية، وإذا لم يورث في طالب العلم الخشية والإنابة والرجوع إلى الله والأنس به والاستغفار وملازمة التقوى، فإنه يجب أن يحاسب نفسه على ذلك، وأن يجعل العلم الذي معه حجة له في الرجوع إلى الصراط المستقيم.
ومن العوائق التي تذكر في هذا السبيل والمخدرات التي تخدّر عن طلب العلم وتثبط قول كثيرين: إن العلماء هم أقل الناس أو أبعد الناس تأثيرا في الأحداث إذا وقعت وأنهم يرغبون الصمت والسلامة.