فهرس الكتاب
وهذا يدل بحسب كلامهم أن العلم يؤدي إلى التثبيط وعدم الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو قول كلمة الحق ونحو ذلك.
هذا من وساوس الشيطان، ومن إلقاء أهل الأهواء لأجل أن لا يقتدي الناس بالعلماء، ولم يحدث هذا مرة؛ بل كلما حدثت فتنة منذ زمن السلف إلى يومنا هذا، وكلما حدث خلاف فإنه يعيب الجاهل على من صمت بصمته.
وما أحسن كلمة الخلفية عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى حيث وصف الصحابة ومن سلف بقوله: إنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كفّوا. بمعنى أنهم حين يتكلمون يتكلّمون بعلم، وحين يكفون عن الكلام وعن المقال فإنهم يكفون ببصر نافذ بشرع الله جل وعلا.
وكان السلف في الفتن يكثرون الصمت ويُقِلُّون الكلام، ولهذا كانت كلماتهم تحفظ فتنقل، وأما كلام الخلف فهو كثير، وفي الفتن يكون أكثر، وهذا من قلة العلم بمنهج السلف في ذلك.
كلمات الإمام أحمد مثلا كانت قليلة في فتنة خلق القرآن التي استمرّت نحوا من عشرين سنة أو أكثر من عشرين سنة؛ ولكنها حُفظت ونُقلت ولو كان في العشرين سنة التي استحكمت فيها هذه الفتنة كل يوم يقول كلاما ويصدر كلاما ويتناقلها الناس لأصبح ذلك في مجلدات، ولكن لم يكن هدي السلف ذلك.
قال الإمام مالك رحمه الله سئل: الرجل تكون عنده السنة أيجادل عليها؟ فقال: لا، يخبر بالسنة فإن قبلت منه وإلا سكت. لأنّ الواجب البيان، أمّا إصلاح العباد هذا إلى الله جل وعلا ?لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء? [البقرة:272] ، وقد أشار إلى هذه المسألة الحافظ ابن رجب في رسالته المشهورة فضل علم السلف على علم الخلف وقال في ضمن كلامه: كلام السلف قليل كثير الفائدة وكلام الخلف كثير قليل الفائدة.
وإذا وزنا هذا بالميزان في وقت الفتن والأمور والمتقلبة فإننا نجده ظاهرا في أن الكلام القليل المؤصّل المستدل له هو الذي ينفع وأما غيره فإنه كثير لكن يُنسي بعضه بعضا، فإذا قال قائل: ما الذي قال فلان؟ نسي لأن الكلام كثير وهو تكلم عشر مرات عشرين مرة ثلاثين مرة ونحو ذلك.