أما المسألة الثانية فقول القائل هنا في السؤال (كثر) هذا ليس بصحيح لم يكثر؛ تكثر هذه الدعوى وإنما وجدت هذه الدعوى من جهة أو من جهتين في العالم، ولكن الإعلام هو الذي أكثر ترديدها وذِكرها، وهذا الذي يسمى التسامح الديني، التسامح كلمة مجملة، قد تحتمل صوابا، وقد تحتمل خطأ:
أما صوابها فأن يكون هذا التسامح على وفق شرع الله جل وعلا بأنه لا يجبر أحد على دين؛ لا يكره أحد على دين، كما قال جل وعلا ?إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ? [البقرة:256] ، وكما قال جل وعلا ?لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ? [الكافرون:6] ، ووجود الكنيسة بجانب المسجد هذا وُجد في زمن الصحابة رضوان الله عليهم في البلاد التي فيها أهل الذمة، وكانوا يتعبدون في كنائسهم، ولكن لا يعلنونها في شارع المسلمين -كما هو معروف من الشروط العمرية- ويسمح لهم بذلك في البلاد التي كان فيها أهل الذمة، التسامح في هذا المعنى تسامح جاء به الشرع وهو صحيح، أما في جزيرة العرب فقد روى الإمام مالك في الموطأ والإمام أحمد في المسند وغيرهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال «لاَ يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ دِينَانِ» يعني لا يجتمع في هذه الجزيرة دينان ظاهران، لا يظهر فيها إلا دين الإسلام، أما وجود غير المسلمين فلهم أن يتعبدوا في بيوتهم، وأن يمارسوا شعائرهم في أماكنهم دون أن يُظهروا ذلك، هذا المعنى من التسامح صحيح شرعا، وهو وفق الأحكام الشرعية.
أما الثاني التسامح وهو المعنى المرقوب والباطل، وهو أنْ يكون التسامح تسامحا مخالفا لأمر الله جل وعلا وأمر رسوله وما جاء في نصوص الكتاب والسنة، أن يكون التسامح بأن يوالي المسلم غير المسلم، وأن يودّ المسلم الكافر أو المسلم أو أن لا يتبرأ منه؛ يعني بأن لا في نفسه بغض للشرك والكفر، والآن هذه الدعوى الموجودة التي ذكرت يراد منها أن لا يكون في القلب كراهة لأي ملة من الملل؛ بل يكون من الناس فيما يتدينون به ما يشاءون، وهذا باطل، هذا أمر منوط بأحكام الشرع.
لهذا نقول كلمة التسامح هذه يمكن أن تفسر بتفسير صحيح على وفق الشرع، ويمكن أن تحمل معنى باطلا في نفسها وفي آثارها.