فهرس الكتاب

الصفحة 2228 من 2735

فإذا نظر إلى هذا ونظر في السير نشطت همته، وعلت رغبته أكثر وأكثر؛ لأن المرء إذا رأى أمثلة تمشي في هذا الأمر صار له من الدواعي أكثر مما لو كان الكلام نظريا ليس له أمثلة.

لهذا لابد من مطلعة تراجم أهل العلم، تراجم الصحابة رضوان الله عليهم، أنظر مثلا ترجمة ابن مسعود رضي الله عنه، ابن عباس رضي الله عنهما، ابن عمر رضي الله عنهما، الصحابة الذين طلبوا العلم وكانوا صغارا في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تجد أن في سرتهم من العجائب والتربية ما يبعث الهمة ويقوي العزيمة.

ابن عباس رضي الله عنه مكث مدة من الوقت على باب زيد بن أرقم رضي الله عنهم تسفي عليه الريح والتراب يريد انتظاره متى يخرج حتى يسأله، فلما خرج زيد ونظر إلى إليه قال: ألا أخبرتنا أنك هنا يا ابن عم رسول الله صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا. أو كما جاء في القصة.

سيرة ابن عباس مع العلماء، مع عمر رضي الله عنه، كيف كان يخالطه، كيف كان يخاطبه، وله حقوق كثيرة عمر رضي الله عنه؛ لكن ابن عباس له في استفادته في العلم منه يعني من عمر معاملة خاصة أخذ منه علما كثيرا.

خذ مثلا في تفسير قوله تعالى ?إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا? [التحريم:4] ، من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قال ابن عباس: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر فلم أجسر عليه، حتى كان في قفولهم من حجة حجها، قال: فلما صببت له الوَضوء سألته: من المرأتان؟ فقال عائشة وحفصة. يعني أنه تحرى المكان المناسب والزمان المناسب وأيضا انشراح صدر المعلم أو العالم حتى يجيبه بالجواب المفيد في مثل هذا السؤال.

هكذا إذا نظرت إلى سيرة التابعين من العلماء.

فإذن لابد لك يا طالب العلم لابد لك من مطالعة سير العلماء، بدون سير العلماء تخمد، ما تعرف الهمم، ما تعرف كم بذلوا، كيف الآن كيف رحلوا على أرجلهم أو على حمار أشهر طويلة، ومنهم من كابد الموت، ومنهم من كاد مشاق عظيمة، ومنهم من ذهبت نفقته، ونحن اليوم نتنقل في أحسن المراكب بالنسبة مراكب القوم، ونتصل بأسهل اتصال، ومع ذلك نشكو من الوقت أو نشكو من أشياء كثيرة.

فبمطالعة سيرة الأولين نعلم أنهم ساروا علماء بهمة بعد توفيق الله جل وعلا وبجهد وبجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت