فهرس الكتاب
وهذا واقع، إذن هذه الخصلة لابد أن توطّن نفسَك عليها، تكون جوادا ولو لم تكن كذلك في الداخل جرِّب نفسك؛ أن تكون جوادا بالكلمة، جوادا بالبشاشة، جوادا بالبذل مثلا من الأمثلة -وهذا سيأتي تطبيق له فيما نهدف إن شاء الله- مثلا رجل في بيته يشكو من وضع والده، يشكو من وضع ولده، يشكو من وضع إخوانه -مثلا- ويشكو, ويشكو، وهو إذا تعامل معهم في الدعوة يتعامل معهم من جهة الأمر والنهي، لكن لو خالط زملاءه، لو خالط أصحابه، وجد أنه معهم بشخصية أخرى غير الشخصية التي يتعامل بها مع أهل بيته، هذا الانفصام سببه أنه جواد مع أولئك بالكلمة، بالبذل، بالأخذ، فأثر فيمن أثر، وثبَّت من ثبَّت بتوفيق الله جل وعلا، أما في بيته فهو إنما هو آمر ناهي, والناس ليست مجبولة على من يحب أن يتسلط عليها؛ من يأمر وينهى، وإنما مجبولة على حب أن يقدّم لها، من يحسن إليها. إذن في البيت الجود لو جرّبته له أثره العظيم فجرّب مع أخيك الصغير، مع أخيك الكبير، مع والدك، مع ابنك، مع بنتك، مع أختك، مع قريبك، جرِّب هذا ستجد أن له أثرا وإن كان هذا الأثر ربما يكون بعد مدة لكنه أثر, وأوّل درجات الدعوة انفتاح قلب المدعو إلى الداعية؛ قلب من تريد أن تؤثر عليه أن ينفتح قلبه لك, ويحب الكلمة التي يسمعها منك, ويقتنع بالكلام الذي تقوله, ولو عشرة في المائة، عشرين في المائة, خمسين في المائة, في البداية. هذا خير عظيم، الأمور لا تصل إليها على خطوة واحدة، ومن الأسباب المهمة ما ذكرته لك وهو الجود فلا تحقر هذا السبب، فقد قال لك عليه الصلاة والسلام «لا تحقرنّ من المعروف شيئا» أيّ شيء من المعروف لا تحقره «ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» بل إن ذلك فيه تنبيه على أن تلقى أخاك دائما بوجه طلق كما قال في الحديث الآخر «وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة» .