كذلك في أول درء التعارض تجد أنه رد بردود مختصرة، ثم بعد ذلك استطرد بأخذ الأوجه على إبطال قانون الرازي وأتباعه باستطرادات مختلفة تبين بطلانه إما من جهة التنظير أو النقول والرد عليها كما ذكرت.
فينتبه طالب العلم أنه إذا نظر في كلام شيخ الإسلام يفرق ما بين التأصيل والتنظير، ما بين التأصيل والاستطراد، ولا يأخذ المسألة دائما من الاستطراد.
أيضا من مميزات كلامه رحمه الله: أن كلامه يكثر فيه المحكم والمتشابه عنده فيما يقرر محكم، وتارة في كلامه إما في الاستطراد أو أحيانا في بعض التأصيل يكون من المتشابه.
ونعني بالمحكم ما يتضح معناه وبالمتشابه ما يحتمل المعنى أو لا يتضح أو يكون مشكلا على أصول السلف؛ لأن شيخ الإسلام رحمه الله كان متابعا للسلف الصالح لا يخرج عن أقوالهم، وخاصة أقوال أئمة أهل الحديث كأحمد وباقي الأئمة، فهو قد يورد كلاما ينظر إليه العالم أو طالب العلم ويجده مشكلا وهذا يسمى المتشابه؛ لأن المتشابه موجود في كلام أهل العلم، ويُحل هذا المتشابه بالنظر في المواضع الأخر التي تكلَّم فيها عن هذه المسألة فيكون في الموضع الآخر إيضاح لهذا الموضع الذي اشتبه على الناظر.
فإذن هذه ينبغي التنبه لها وهي أنه في كلامه رحمه الله محكما ومتشابها، وهذا إنما يعرفه أهل العلم، يعرف الكلام المؤصل الذي يوافق كلام السلف وويوافق كلامه هو في المختصرات كما سيأتي في التطبيق، وكلامه الذي يشتبه يحتمل أنه يريد به كذا ويحتمل أنه يريد به كذا، فنحمل كلامه على ما نعلمه من طريقته ومن تقريره ومن عقيدته رحمه الله.
النقطة الخامسة: من مميزات كلامه أنه يكثر النقول، ويسهب في النقل على أهل العلم، وهذا الإسهاب في النقل للتدليل على أن ما ذهب إليه ليس متفردا به أو ليس غريبا، كما أكثر من النقول في الحموية، وكما أكثر من النقول في مواضع في درء التعارض، وفي رده على الرازي إلى آخر كتبه رحمه الله.
السادس: أنه يكثر الاستدلال، وهذا من مزايا شيخ الإسلام رحمه الله أنَّ أدلته التي يوردها كثيرة ومتنوعة، فتجد أنه يستدل بآيات القرآن استدلالا مستفيضا، ويستدل بالسنن ويميز رحمه الله بين المقبول منها وغير المقبول، وما أدرجه أئمة السنة قبله في تواليفهم وما لم يوردوه، كذلك يستدل بالإجماع إذا وجد، كذلك يستدل بالقياس، يستدل بالتقعيد الفقهي، يستدل بأقوال الصحابة فيما يريد تقريره يستدل بالتنظير.
وهذه أنواع من الأدلة معلومة في أصول الفقه.