المزية السادسة: من وزايا كلامه رحمه الله التعليل بمقاصد الشريعة، وهذا مما انفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى فإنه أكثر جدا من التعليل بمقاصد الشريعة، نعم كان العز بن عبد السلام الصوفي الأشعري كان كثير الإيراد لذلك؛ أعني لإيراد الفتاوى بناء على المقاصد، وله فيها مؤلفات من القواعد الكبرى والقواعد الصغرى وغير ذلك؛ لكن شيخ الإسلام رحمه الله تميَّز بعرض مقاصد الشريعة على أصول السلف، وهذه لم يسبق إليها على نحو ما أورد في فتاويه وفي بحوثه.
واعتنى في مقاصد الشريعة بتصنيف الفروع على المقاصد، مقاصد الشريعة لها أقسام منها مقاصد راجعة إلى المكلف، ومنها مقاصد راجعة إلى أحكام العبادات، منها مقاصد راجعة إلى أحكام المعاملات، ومنها مقاصد راجعة إلى الأحكام العامة السياسة والسياسة الشرعية وغير ذلك.
شيخ الإسلام صنف الفروع بناء على المقاصد، وهذه لاشك تحتاج إلى نظر من هضم أدلة الشرع والمسائل والتحقيق فيها حتى يستطيع أن يلحق كل مسألة بمقاصدها في الشرع.
وهذه ينبغي لطلاب العلم أن يهتموا بها؛ لأن المسائل الفقهية أعني حكم المسائل الفقهية هذا ينبني على مقاصد الشريعة، شيخ الإسلام كثيرا ما يذكر أن الشريعة جاءت بتحصيل المفاسد وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهذا ينبني عليه كل الأحكام الفقهية، فإذا نظر في مسألة لم ينظر إليها من جهة الدليل فقط إذا تنازع المسألة عدة أدلة، وإنما ينظر إليها مع ذلك بهذه الأمور التي ذكرنا من أصول الفقه والنظائر والمقاصد والقواعد الفقهية وما سيأتي.
إذن فمقاصد الشريعة من العلوم المهمة ومن أخطاء الناظر في كلام شيخ الإسلام الفقهي أنه يهتم حين النظر للدليل من النص، وهذا لاشك أنه ضعف فقهي راجع إلى عدم معرفة العلم على حقه، وإنما الناظر في كلام شيخ الإسلام ينبغي له أن يدرك ما تنبني عليه الأحكام، والأحكام لا تنبني فقط على الدليل من الكتاب والسنة، وإنما تنبني على أشياء كثيرة معروفة عند المحققين من أهل العلم، فمن لم يهتمَّ بكل مسألة يوردها شيخ الإسلام ابن تيمية -أعني من هذه المسائل التي أوردها الثَّمان- فإنه ربما نظر إلى المسألة بغير النظر الذي تستحقه.