الوصف الثالث قال جل وعلا ?وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ? هدى للمؤمنين ورحمة للمؤمنين، وهنا سؤال معروف: لم جعل الله جل وعلا الهدى للمؤمنين ولم يقل للناس جميعا؟ مع أنه في أوله نادي قال ?يَا أَيُّهَا النَّاسُ? لم جعله رحمة للمؤمنين مع أنه عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين?وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ? [الأنبياء:107] ؟ كذلك لفظ الإنذار في القرآن يكون للمؤمن الذي قبل النذارة ?إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ? [يس:11] ونحو ذلك، فلم خصّهم بذلك؟ لأنهم هم الحقيقون بالذكر لكونهم قبلوا هذا الهدى؟ أما الذي لم يقبل فكأنه من شدة إعراضه يأته هدى أصلا ولو هُدي مع سلامه نفسه من الشبهات والشهوات لاهتدى.
فإذن خُصّ المؤمنون بالذكر لأنهم هم الذين قبلوا الهدى وكانت الرحمة لهم، ما الهدى؟ الهدى في الكتاب والسنة وفي تعريف أهل العلم الهدى هو العلم النافع والعمل الصالح، والقرآن في العلم النافع والإرشاد إلى العامل الصالح، والعلم النافع هو -يعني أصول العلم النافع- في القرآن.
والعلم النافع ثلاثة أقسام قال الله قال رسوله قال الصحابة، وهذه كلها في القرآن، وكذلك قال أهل العلم فيما اشتبه علينا علمه وهذه أيضا في القرآن، قال جل وعلا ?أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ? (1) وقال جل وعلا ?مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا? [النساء:80] وقال جل وعلا ?وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا? [الحشر:7] ، وقال سبحانه في الحثّ على طريقة الصحابة ?وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا? [النساء:115] ، وقال في اتباع أهل العلم ?فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ? (2) ولهذا أحسن ابن القيم رحمه الله حين قال:
والعلم أقسام ثلاث ما لها من رابع والحق ذو تبيانِ
علم بأوصاف الإله ونعته وكذلك الأسماء للديانِ
والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني
(1) النساء:59، المائدة:92، النور:54، محمد:33، التغابن:12.
(2) النحل:43، الأنبياء:7.