لهذا نقول: إن العلم ضروري جدا، العلم ضرورة شرعية، العلم لابد منه، ولو كان أكثر من ترى من هذه الصحوة المباركة ومن هذه الأفواج والأجيال من الشباب الملتزمين في الدين لو كانوا على وفق ما يقتضي العلم لوجدت أن الخلافات التي بينهم قلّت، ولجدت أن الصف أصبح واحدا، ولوجدت أن الفرقة قلّت، ولجدت أنهم صاروا يدا واحدة، ووجدت أنهم يستحقون بفضل الله جل وعلا أن يكونوا هداة مهديين.
واليوم ما سبب الخلاف؟ سبب الخلاف اختلاف العلوم، يأتي أهل العلم فيحتجون بالسنة يحتجون بعقيدة، فيأتي غيرهم ويحتج بشبهة، يحتج برأي، يحتج باجتهاد، هل يقابل هذا بهذا؟ ومع ذلك تكون الغلبة لمن كان ألحن بحجته، ولا شك أنه من الناس من تتلمذ لأهل العلم للأخيار ومع ذلك لم ينفعه تلمذته لأولئك.
خذ مثلا عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، هذا كان من القرّاء ومن العباد، وكتب لعمرو بن العاص عمر وهو في المدينة يقول له في شأن عبد الرحمن بن ملجم: استأجر له بيتا واجعله يقرئ الناس. ثم لحق بمعاذ بن جبل وتتلمذ له وصحب له مدة طويلة ومعاذ هو أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام كما قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ومع ذلك زلت به قدمه وصار من كلاب أهل النار من الخوارج، وقتل خير الناس في زمانه علي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عنْهُ، لم؟ لأنه ما حافظ على العلم الذي أخذه عن علمائه؛ عن العلماء الذين أخذ عنهم العلم، أخذ العلم عن عمر رَضِيَ اللهُ عنْهُ فما استقام على طريقة عمر، أخذ العلم عن معاذ فما استقام على طريقة معاذ، أخذ العلم عن الصحب الأجلاء فما استقام على طريقتهم، وإنما ذهب غلى طريقة الخوارج الذين كفروا صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
يعطيك ذاك أنما بأشد ما نكون إلى هذين الأمرين:
الأمر الأول العلم وأن نأخذه عن أهله المتحققين به.
والأمر الثاني وأن تبتعد عن أهل الشبهات؛ لأن طالب العلم ولو أخذ من العلم الكثير فإنه لا يأمن على قلبه أن يتبدل ويتحول، ?وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا? [الأعراف:175] ، الذين تحولوا عن مقتضى العلم وسلكوا طرق الشبهات كثير عمر بن عبيد تلميذ لبعض سادات التابعين، فلان هو تلميذ لبعض الأئمة الكبار ومع ذلك يحتاج منك الأمر إلى أن تستقيم على العلم وأن تحرص على البعد عن أهل الشبهات؛ لأن الإنسان لا يأمن أن يوقع في قلبه شيء.