فأول الدرجات أن تكون ساعيا سعيا حثيثا في أن يكون قلبُك مع الله جل وعلا، وصلاح القلب ونوره إنما بكون الله جل وعلا فيه وبتخليص القلب من أن يكون فيه رغب ونظر إلى غير الله جلا وعلا، فإن حقيقة لذة القلب وحقيقة التقوى التي تحصل في القلب؛ لأن مكان التقوى هو القلب، التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات عليه الصلاة والسلام، إنما يكون بأن يكون الله جل وعلا وحده في قلب العبد، فإذا دخل غير الله جلا وعلا في قلب العبد فإنه ينزاح منه من التقوى بقدر ما دخل من ذلك، يكون غير الله جلا وعلا في قلب العبد؛ يعني من جهة التوجه من جهة الإخلاص من جهة الإقبال، فيكون في القلب حب الدنيا، يكون في القلب حب الجاه، يكون في القلب حب المال، يكون في القلب حب السمعة، يكون في القلب حب الملذات والشهوات، فإذا قويت هذه في القلب ضعفت التقوى حتى ربما وصلت بالمرء إلى أنه يفرّط في الأوامر ويفرّط في أمر النواهي يعني يغشى النواهي ويترك الأوامر.
فصلاح القلب في تحصيل هذه الدرجة العظيمة من تقوى جلا وعلا وهي بأن تخلص القلب من غير الله جلا جلاله، وهذا إنما يكون بالمحاسبة، فإنّ لذة القلب إنما هي بالله جل وعلا، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله تلميذه العلامة ابن القيم: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، أو من لم يعرفها لم يعرف جنة الآخرة. وهذه الجنة التي في الدنيا هي جنة لذة القلب بمعرفة الله جل وعلا وتوحيده والأنس به، فإن القلب المخبت المنيب أحوج ما تراه يكون لنفسه أن يكون مقبلا على الله منقطعا عن الخلق يعني أنه إذا خالط الناس فيخالطهم مخالطة الكاره لذلك، وأما قلبه فإنما هو معلق بالله جل وعلا في الأقوال وفي الأعمال، إذا تحرك قلبه فإنما يتحرك لله جل وعلا، وإذا فكر قلبه فإنما يفكر في أمر الله جل وعلا وفي دينه وفي ما يجب عليه وفي ما يحرم.
وأساس هذه الدرجة أن يكون القلب معلّق بالجنة خائفا من النار، قال جل وعلا ?أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ? [القصص:61] ، قوله هنا ?أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا? يعني ذلك القلب الذي قامت به التقوى وأثمرت عملا صالحا واقتراب من الأوامر وبعدا عن النواهي، فإن لكل شيء وسيلة.