والمرتبة الثالثة من مراتب التقوى هي التي ربما لم يحصل عليه إلا الخاصة من الناس وهي أن يترك ما لا بأس حذرا مما به بأس، يترك بعض الأشياء التي يشك فيها خشية أن يواقع المحذور، وهذه قد جاءت في بعض الأحاديث كما في قوله «لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما فيه بأس» وهذا يكون بترك المشتبهات، وهناك مشتبهات متعلقة بالنظر، هناك مشتبهات متعلقة بالكسب، هناك مشتبهات متعلقة بأداء العمل، هناك مشتبهات متعلقة بأنواع العبد مع من حوله، فمن ترك تلك المشتبهات وابتعد عتها كان بعيدا عن الحرام وكان قريبا من امتثال أمر الله جل جلاله.
هذه هي الوصية الأولى الوصية بتقوى الله جل جلاله.
[الوصية الثانية: التفكر في آلاء الله]
أما الوصية الثانية فهي أن لا يترك العبد نفسه من التفكر في آلاء الله جل وعلا، وسكان المدن الذين يسكنون في المدن يفوتهم شيء عظيم ألا وهو التفكر في آلاء الله، التفكر في ملكوت الله جل جلاله.
والله جل وعلا أمر عباده بأن يتفكروا في الملكوت، والتفكر في الملكوت يورث معرفة الله جل وعلا، ويورث معرفة ربوبيته جل وعلا، وإذا أثمر ذلك الربوبية في قلب العبد وفي عقله وفي لُبِّه، فإن الربوبية تقود إلى عبادة الله جل وعلا حق عبادته.
قال سبحانه آمرا بالتفكر ?إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا? [سبأ:46] ، وقال جل وعلا ?قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ? [يونس:101] أهل المدن ينظرون إلى السماء وليست هي السماء، وينظرون إلى الأرض وليست هي الأرض، وينظرون إلى النبات وهو ينمو وليس في عينهم نبات ينمو، ينظرون إلى ما يحصل حولهم ولكن يفوتهم التفكر والتدبر، فإذا حصّل العبد هذا الأمر ألا وهو امتثال أمر الله بالتفكر في آلاء الله فإنه يحصل له أنواع من الإيمان واليقين ومعرفة الله جل وعلا لا يدركها إلا من تدبَّر وتأمل.
نقول: إن توحيد الربوبية مما لم يبتل به الناس، فإن توحيد الربوبية يعني الإقرار بأن الله جل وعلا هو الواحد في خلقه، هو الخالق وحده وهو الرازق وحده وهو المميت وحده وهو المعين وحده إلى آخر أفراد توحيد الربوبية، هذا مما لم يبتل به الناس، وهذا صحيح فإن ابتلاء الناس إنما هو بعبادة الله وحده لا شريك له.