فهرس الكتاب
القسم الثاني من أنواع المخالطة: أما إذا كان العبد يخالط رغبة في الخير، إذا حضر مكانا وتعرف على أحد، فإنما يتعرف ويخالط لأجل تحصيل الخير ولأجل دفع الشر، فهذا مخالطته محمودة، وفيها صلاح لقلبه، وقد تحضر مجلسا أو مجالسا فنخجل من أن تجعل ذلك المجلس مجلس خير وهدى، فتخالط وربما شاع في ذلك المجلس ما هو من فضول المباحات، أو ربما من الكلمات التي ضررها أكثر من نفعها، أو ما هو من المحرمات، فلا بد أن يكون الراغب في صلاح قلبه وفي صلاح الآخرين أن يأخذ بهذه الوصية التي أوصى بها ابن القيم في أن يكون المرء مِقداما في الخير؛ يعني إذا حضر مجلسا فليبدى الكلام.
إذا نظرت إلى المجالس، ربما تحضر مثلا في وليمة في عزيمة، تحضر في لقاء مع أناس إلى آخره، تلحظ أن الناس يبدؤون ويتكلمون في موضوع، ثم تمضي مدة وهم يتكلمون في ذلك الموضوع، فإذا ابتدأت أنت الكلام في موضوع ما، فإنه غالبا ما ينشغل الناس بتحليلات ذلك الموضوع مدة من الزمن يكون فيها الخير وفيها التوجيه والدعوة والصلاح.
فإذن الذي يجب على الذي يسعى في صلاح نفسه وفي صلاح غيره أن يكون مقداما في الخير، يأتيه الشيطان -كما قال بن القيم- في بأحبولته التي قليل من ينجو منها فيقول: إذا تحدثت أو إذا قلت فإنك تريد الشهرة أو تريد أن تذكر أو تريد أن تصرف وجوه الناس إليك أو نحو ذلك. قال: فإذا أتى بهذه الأحبولة فتعوّذ بالله جل وعلا منه، وتوكّل على الله جل جلاله، واجعل مخالطتك ومجالسك في خير وهدى وإرشاد الخلق إلى ما يجب عليهم أو إلى ما ينبغي أو ما يجب أن يحذروه.
إذن المخالطة هذه يجب أن تصنّف نفسك معها إلى أي درجة تخالط، وما هي مخالطاتك، بعض الناس يعرف مئة مائتين، ما شاء الله، وبعضهم يعرف أكثر أو أقل، ويظن أن كثرة المعارف هذه وكثرة إتيان هذا وهذا وهذا أنها أصلح للقلب، ليست كذلك، فصلاح القلب بقلة المخالطة، إلا ما كان بمخالطة في أمر بمعروف ونهي عن منكر أو في علم أو دعوة أو خير أو فلاح، فهذه المخالطة محمودة، وإذا أقلّ العبد المخالطة أنس بربه عز وجل، أنس بالقرآن، اشتاق لله جل وعلا، اشتاق لكتابه، إذا صلى فإنه يكون للصلاة في حقة معنى فإنه يناجي ويحس أنه لن يكون مسرعا في طلب مخالطة للخلق وهو منشغل بمناجاة الله جل وعلا عن مناجاة أو مناداة الخلق ومخالطتهم.