فهرس الكتاب
تلحظ من نفسك أن الذي يكثر المخالطة ويكثر الحديث مع الناس حتى على أبواب المساجد قبل الإقامة أنه إذا دخل الصلاة لا يدخلها بقلب خاشع، لا يدخلها بقلب قد ظهر عليه -بتقييمه لنفسه- لذة مناجاة خالقه جل وعلا؛ وذلك لأن كثرة الخلط تقتضي كثرة سماع كلامهم، وكثرة السماع تشغل القلب وتشغل العقل إلا ما كان في حق وهدى.
إذن فالمخالطة يجب أن توزن بميزان، وأن تنتبه لها، في نفسك، كذلك في من تعول، كذلك فيمن حولك، كذلك فيمن توجّه، أخ لك أو صديق أو ابن أو بنت إلى آخر أصناف الناس يأتي ويخالط هذا ويخالط الثاني والثالث، كم له من أصحاب؟ أو كم لها من الصاحبات؟ تجد أن لها عددا وأن له عددا، وهذا لا شك أنه يحدث أنواع من المفاسد، فالمربي كما أنه يربي نفسه على قلة الخلطة والاختلاط إلا فيما ينفع، كذلك ينبغي له أن يكون في تربيته لمن حوله إذا كان لا بد أن تخالط فأن تكون مخالطتهم وأن تكون أصدقاؤهم عددا محدودا، وهذا من الأمور التي ينبغي أن ينتبه لها المربّون خاصة في البيوت وأولياء البيوت.
[الوصية السادسة: تقديم حب الله - عز وجل -ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عما سواهما]
الوصية التي تليها وصية عامة وخاصة، هي عامة لجميع الناس وخاصة لخاصة الناس، ألا وهي أن يكون الله جل جلاله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب للمرء مما سواهما، وهذه من أسباب تحصيل لذة الإيمان للقلب «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» إذا كان الله جل جلاله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب للعبد من كل ما سواهما؛ من نفسك، من أهلك، من الدنيا، من المال، من الشهوات، فإن هذا يثمر تعلقا للعبد بالآخرة، وامتثالا في هذه الدنيا لأمر الله جل وعلا وأمر رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويثمر ترك الأهواء والشبهات والشهوات؛ لأن العبد إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإنه يسعى إلى أن تكون هذه المحبة صحيحة، وهذه المحبة إنما تكون صحيحة بأن يتعرّف العبد على ما جاء في القرآن وما جاء في السنة، فإذا علمه وتعرّف إليه عمل به.
ولشيخ الإسلام رحمه الله كتاب عظيم اسمه"قاعدة في المحبة"وبنى هذا الكتاب على هذا الحديث، وقال فيه يعني قاعدة الكتاب: أن المحبة هي المحركة، فمحبة صاحب الدنيا للدنيا هي التي حركته لهذه الدنيا.