هذا القول الأخير هو قول الإمام مالك ومن تابعه من أهل العلم كالشيخ تقي الدين ابن تيمية وابن القيم وجماعة، فيه نظر ظاهر مع جلالة من قال به، فيه نظر ظاهر من جهة أن القياس في هذا الباب خلاف الأصل.
الأصل في العبادات الاتباع، وليس الأصل فيها أن يُقاس بعضها على بعض؛ لأننا رأينا أشياء في العبادات لا يَنْقَاس بعضها على بعض، فإعمال القياس فيها فيه نظر ظاهر ومخالف للأصل.
ولهذا لم يقل بهذا الإمام أحمد بن حنبل وجمهرة أئمة الحديث، وإنما صاروا إلى القول بالتفصيل الأول، وهو أنه الأصل في السجود -في سجود السهو- من سها في صلاته فإنه يسجد قبل السلام إلا فيما ورد بالدليل أنه سجد فيه بعد السلام، وهو حديث ذي اليدين، وحديث ابن مسعود حينما زاد ركعة في الصلاة أو سلم من نقص، في هذين الحالتين: تسليم من نقص سلم وهو باقي عليه، أو زاد ركعة هذه يسجد فيها بعد السلام.
وهذا القول والذي أسميته الجهة أثرية، هو مقتضى الأثر ومقتضى اتباع الآثار، وهو الأوفق للناس في تعلمهم لعبادتهم؛ لأن مسألة الزيادة والنقص يتعلمها طالب العلم، ثم تشتبه على طالب العلم فضلا أن تشتبه على العامي، والصلاة سهلة أعمالها ظاهرة، يعرفها الذكي والبليد ويعرفها الأعرابي والملازم لأهل العلم، ويعرفها الجميع، فإحالة بعض أحكامها إلى ما لا يدركه إلا القلة بالقياس في الزيادة والنقص، هذا خلاف الأصل فيها.
ولهذا نقول إن الراجح في ذلك والذي ينبغي أن يعلم الناس هو ما ذهب إليه الإمام أحمد وجماهير أهل الحديث من أن الأصل في سجود السهو أن يكون قبل السلام إلا في الحالتين اللتين ورد فيها الحديث من أنه يسجد بعد السلام وهو أنه إذا سلم من نقص إذا سلم وباقي عليه ركعة وعكسها إذا زاد ركعة فقط، وما عداه فإنه يسجد قبل السلام.
هذا هو الذي تجتمع به الآثار ولا يسار فيه إلى قياس يخالف الأصل في هذا الباب.