فهرس الكتاب
الإمام مالك -كما ذكرتُ من قبل- جعل المسألة مسألة قياس؛ وهي أنه ينظر هل هذا المسبب للسجود هل هو زيادة أم نقص؟ فإن كان زاد في الصلاة فلا يناسب أن يزيد في الصلاة مرتين، يزيد في الصلاة ثم يزيد سجودين في الصلاة قبل السلام، فجعل ما كان فيه الزيادة جابره سجود بعد السلام؛ لكي لا يجمع في الصلاة بين زياديتين، وأما إذا نقص في الصلاة فإنه يجبر هذا النقص بعبادة محبوبة لله وهي السجود في أثناء الصلاة قبل السلام.
وهذا الذي قاله -كما ذكرت لك آنفا- هو قول مالك الذي ذكره في الموطأ وذكره أصحابه عنه، ونصره أيضا شيخ الإسلام ابن تيمية كما هو معروف، وقال الأدلة تدور حول هذا.
أما الجهة الأثرية -أو ما أسميتكم الجهة الأثرية- في العمل بالسجود قبل السلام وبعده هو ما قاله الإمام أحمد وجمع كبير من أهل الحديث وهي أن السجود الأصل فيه أن يكون قبل السلام؛ لأنه من شأن الصلاة؛ ولأنه عبادة من جنس عبادات الصلاة، من السجود فيها سجدتين؛ لذلك جعل السجود سجدتين ولم يكتفَ بسجدة واحدة؛ لأنه ليس من جنس سجود التلاوة الذي يكون خارج الصلاة، ولكنه من جنس السجودين الذين يكونان في كل ركعة في الصلاة، فهو من جنس أفعال الصلاة، فالأصل فيه أن يفعل في الصلاة، إلا ما ورد في الدليل أنه يسجد فيه بعد السلام فإنه يتقييد مما خرج استثناء من هذا الأصل.
وهذا الذي خرج استثناء يكون في صورتين وقد تصير إلى ثلاث بالتفصيل:
أما الصورة الأولى: فهي أنه إذا سلم عن نقص؛ صلى ركعة في الفجر ثم سلم، صلى ركعتين في الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء ثم سلم، صلى ثلاث في الظهر أو العصر أو العشاء ثم سلم، فيكون قد سلّم عن نقص في صلاته فزاد التسليم في أثناء الصلاة، فهذا يُكمل الصلاة ويَجبر هذه الزيادة بسجود للسهو بعد السلام، فيسجد سجدتين ثم يسلم، فيكون سلم مرّتين.