إذن شكر القلب أن يعترف العبد بالنعمة باطنا بأن الله جل وعلا هو الذي أعطى، من الذي أعطانا الأمن والطمأنينة في هذه البلاد؟ ربنا جل وجلاله، من الذي آلف بين قلوب الناس ووحد قلوب أهل الإيمان؟ ربنا جل وعلا {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} وهو النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال:63] فشكر النعمة أن تكون بقلبك في أول مواردها، معتقدا أنه ما ثَمّ نعمة إلا من الله كما سبحانه {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل:53] ، قوله {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} يقول أهل العلم: إن هذا تنصيص صريح في العموم لا يخرج عنه فرد من أفراده. يعني أنه ليس ثَم نعمة إلا وهي من الله جل جلاله.
فإذن اعتراف العبد واعتقاده بقلبه أن النعمة التي يتقلب فيه إنما هي من الله هذا دليل أن العبد حاز هذا الركن من الشكر، وهو أنه صار قلبه شاكرا لربه جل وعلا {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء:3] شاكرا لله بقلبه، شاكرا لله بلسانه شاكرا لله جل وعلا بعمله.
إذا كان كذلك، فما الذي يصنعه العباد؟ يصنع العباد بعضهم لبعض أسباب حدوث النعم، الله جل وعلا أجرى سنته أن الشيء يحصل بشيء {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف:89] ، الأسباب مُقامة تنتج المسببات، تنتج النتائج، فالعبد أكرمه الله جل وعلا أن كان سببا في الخير، ولهذا يُشكر الإنسان، يشكر من عمل خيرا؛ لأن صنع ذلك بمحض اختياره وإرادته، وفي الحقيقة أن الذي قيَّضه هذا الأمر وأعانه عليه إنما هو ربنا جل جلاله، هو الذي حضه وهو الذي يسّر ذلك، وهو الذي وفق وهو الذي أعان.