(الثاني من الآداب أن يكون طالب العلم متأدبا مع شيخه في لفظه وفي جلسته وفي فعله، وهذا أخذه أهل العلم من قصة جبريل مع المصطفي عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور المعروف؛ وهو أن جبريل لما أتى النبي عليه الصلاة والسلام في صورة رجل جاء إليه متعلما، فأقبل النبي عليه الصلاة والسلام وثنى ركبتيه بين يديه وأسند ركبتيه إلى ركبتيه وجعل يديه على فخذيه، وهذا أدب الجلسة بين يدي المعلم، وهذا الأدب يفيد فوائد منها:
أولا أن يتعلم طالب العلم الصبر في التعلم.
والثاني أن يكون هذا داعيا لإقبال الشيخ على المتعلم للإجابة؛ لأن للمشايخ حبّ ورغبة فيمن يكون متأدبا في الكلام معهم؛ لأنه من سنن أهل العلم المتوارَثة أن العلم إنما يكون في المتأدبين.
ابن عباس رضي الله عنهما أمسك بزمام ناقة زيد بن ثابت فقالوا له هذا وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا.
وقد جاء في بعض الآثار أن من السنة توقير العالم، وهذا له شواهده العملية من هدي الصحابة رضوان الله عليهم.
فإذن الجِلسة أمام العالم لها أثر، والتكلم معه في طريقته له أثر على المتعلم وعلى العالم جميعا: أما أثره على المتعلم وهو أن يوطن نفسه على احترام العلم وأهله، وإذا العالم احترم العالم الذي يكون أمامه فإنه سيحترم العلماء الأولين، وكم رأينا من ذوي فضاضة وغلظة على العلماء العابرين السابقين، والأمر من جهة ما يَقَرُّ في نفس المتعلم واحد؛ فإذا تعلم الأدب في اللفظ فإنه يكون متأدبا في العلم...