كان رجلان أتيا إلى الأعمش أحدهما صاحب حديث والآخر ليس بصاحب حديث، فأغلظ الأعمش -وكان فيه نوع حدّة- على صاحب الحديث بكلام فيه غلظة، فلما انتهوا قال الآخر لصاحب الحديث في حضرة الأعمش: لو قال لي ما قال لك لم أحضر إليه أبدا. فقال الأعمش: أوَ يكون أحمق كمثلك يترك خيري الدنيا والآخرة لغلظتي. إذا كان هذا تركب في نفس بعض المشايخ أو في كلامه أو في طريقة تعامله أن فيه غلظة، فهل يترك المتعلم الأدب لشدة الشيخ أو لأجل تعنيفه أو نحو ذلك؟ هذا ليس بصحيح لأن طالب العلم ما أخذ في طريق العلم إلا وهو مؤثر له على الدنيا مؤثر له على الراحة، ومن جملة الدنيا والراحة أن يكون الكلام معه دائما بعبارة لا تسوءه، ولهذا يدخل ذلك في التأدب في اللفظ بحيث أنه إذا سأل يسأل متأدبا، ينتقي أحسن العبارات، وإذا تكلم بحضرة شيخه تكلم بأحسن العبارات، وإذا أراد المعلم أو الشيخ أن يعنف أو عنّف أو تكلم فإن ذلك الطالب يحتمله ولا يرد عليه مقالته.
من الأدب أيضا مع الشيخ الأدب في الأفعال: وهو أن لا يرى العالم طالب العلم على هيئة لا تحسن؛ في لباسه أو في مشيه أو في قصة في تصرفاته أو في نقص في الأدب معه وهو يكلمه فيكون معه في فعل حسن، قالوا ومن الأدب أن لا يمشي المتعلم بين يدي شيخه إلا بأمر شيخه، وأن يكون وقورا في مماشاة المشايخ غير مكثر للحديث غير مكثر للحركة، وهذا لا شك له أثر على المتعلم وعلى الشيخ فيما يفيد به الشيخ المتعلم.
فإذن هذه الثلاث الأقوال والأفعال والزلفى، هيئة الجلوس لها أثر في إقبال المتعلم على العلم واحترامه أهله وفي إقبال المعلم على إفادة المتعلم.