وكذلك بقية أعمام المترجم له كانوا أهل علم وفضل كالمشايخ محمد بن عبد اللطيف وعبد الرحمن وعمر وعبد العزيز، ولهم أخبار وأحوال كالعبير رحيقًا، وصفهم الواصفون بنعوت أشبهوا بها الأوائل سمتًا وهديًا وعبادة وصلاحًا وعلمًا، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة.
إذن نشأ الشيخ في هذه الأسرة فلا غرو أن أثّرت فيه، لا غرو أنه واحتذى حذو أسرته، فتوجه من أثر هذه البيئة ومن أثر هذا المجتمع الذي حوله إلى العلم قابسًا من عقل ذوي العقل، قابسًا من تقى ذوي التقى، قابسًا من غيرة ذوي الغيرة، وكلهم ذاك الرجل، فطلب العلم على قاعدة الدين والعمل والعقل والغيرة لله فكان ذلك مَعْلمًا بارزًا لنبوغه وتهيئته للقيادة والريادة التي ظهرت فيما بعد رحمه الله.
لما بلغ الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى السابعة من العمر أي سنة 1318هـ شرع يتعلم القرآن بتجويده نظرًا على المقرئ ذي الصوت العذب المؤثر عبد الرحمن بن مفيريج رحمه الله، فأجاده نظرًا، ثم ابتدأ حفظه في سن الحادية عشرة، وتعلم الكتابة وكان إذ ذاك مُبْصرًا، وكتابته في صغره حسنة على أصولها كما ينبئ عن ذلك ورقة وجدت فيها كتابته رحمه الله تعالى.
بعد هذا الأساس الأول -أعني حفظ القرآن- لمن يريد طلب العلم الشرعي بحق لابد أن يبتدئ بحفظ القرآن، فلما حفظ القرآن رحمه الله شرع يقرأ العلم على مشايخه، فكان أولهم والده الشيخ إبراهيم، قرأ في مختصرات رسائل أئمة الدعوة ونُبَذ إمام الدعوة رحمهم الله تعالى، كان يحفظ المتن ثم يقرؤه على والده على عادة المشايخ في تلقيهم للعلم، وهكذا العلم النافع يبدأ بقراءة المتون المختصرة؛ لأن المتون المختصرة عنها تتفرع شجرة العلم فهي شجرة أصلها ثابت أعني أصل العلم هي تلك المتون وعنها يتفرع العلم، ولم يكونوا يبتدئون بقراءة المطولات من الكتب؛ لأن قراءة تلك المطولات لا تعطي العلم الأصيل العلم المنهجي المؤسس، وإنما يكون العلم بقراءة المتون، وهكذا كان الشيخ محمد رحمه الله تعالى، قرأ رسائل أئمة الدعوة وحفظها، وقرأ نبذ إمام الدعوة الإمام المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وشرح له والده أول الأمر ما يُفهِمه مرامي كلامِهم وأصول مسائلهم، وهكذا ينبغي أن يكون التوحيد هو أول ما يتعلمه طالب العلم، وإنما يفهم ويضبط بضبط متونه قبل شروحه، إذ من حفظ المتون حاز الفنون.