كذلك من الذين اهتموا بكتابة السير الواقدي، والعلماء منهم من يأتمنُه ويثني عليه في المغازي، ومنهم من يقول هو في المغازي كشأنه في الحديث لا يقبل حديثه، ومغازي الواقدي غير موجودة الآن؛ يعني فيما ذكر من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، واعتمدها عدد من أهل العلم، والصواب أنّ الواقدي ليس بثَبْت فيما ينقل، بل ربما حصل له من الخلط في الروايات والزيادات ما لا يعرف عن أهل العلم، فلا يُقبل من حديثه في المغازي ما تفرّد به عن العلماء سيما ما كان معارضا لأصل من الأصول أو ما كان مخالفا لما دلّ عليه كلام أهل العلم في السِّير.
وممن كتب أيضا في السير ابن سعد صاحب الطبقات في أول الطبقات كما هو معروف، وجماعة كتبوا في ذلك.
وهذه هي التي تسمى كتب السيرة أو كتب السير تتابع العلماء فيها إلى زماننا هذا.
وهناك كتابة للسير بطريقة أخرى، وهي طريقة أهل الحديث، فإنهم اعتنوا بسيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبذكر أحواله ومغازيه وأشباه ذلك فيما أوردوه في كتب الحديث، فتجد في صحيح البخاري رحمه الله كتاب المغازي، وتجد في مسلم السير، وتجد في أبي داود كذلك، وهكذا في بعض أخبار وربما طُوِّلَت، وكذلك اعتنى بها أهل الحديث في مصنفات مفردة ذكروا فيها أسانيدهم فيما يتعلق بالسير ولكن فيها ما يصح وفيها ما ينكر، وكما قال الحافظ زين الدين العراقي:
وليعلم الطالبُ أنّ السِّيرَ…تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَ
فصنّف البيهقي كتاب "دلائل النبوة"، وصنف أبو نعيم الأصفهاني أو الأصبهاني أحمد بن عبد الله العالم المعروف صنف "دلائل النبوة"، وصنف الفريابي "دلائل النبوة"، فأهل الحديث اعتنوا بكتابة السير من جهتين:
الجهة الأولى ما ضمنوه في مصنفاتهم من الصحاح والمسانيد من ذكر السير سواء كانت مبوبة أو لم تكن مبوبة.
وكذلك ما أفردوه من التآليف في هذا في ذكر دلائل النبوة.
وكما ذكرنا أنّ كتب السِّير ليست معتنية بالصحيح، وإنما يذكر فيها ما نُقل في السيرة، ولهذا قال الزين العراقي فيما ذكرت لك:
وليعلم الطالبُ أنّ السِّيرَ…تجمع ما صح وما قد أُنْكِرَ
ففيها الصحيح وفيها المنكر وهذا أمر بيّن فإنّ سيرة ابن إسحاق مثلا فيها من الصحيح كثير وفيها من المنكر الكثير، فهذا من جهة ما اشتهر من ذكر مصادر السيرة.