فهرس الكتاب
فمن ذلك مثلا كثير من الحكايات في قصة "بحيرى الراهب" فإنّ أصل القصة صحيح من حيث الإسناد من حيث الرواية؛ لكن ما جاء في كتب السير منها فإنّ فيه تفصيلات لا تثبت وإنما تروى هكذا بلاغا بلا إسناد، وبعض جُمَلها صحيح، فأصل القصة صحيح وكثير من المحاورات التي فيها ينقلها بعض الدعاة وينقلها بعض الخطباء وينقلها بعض الموجهين على أنها صحيحة وهي ليست بصحيحة، وعليها اتكأ بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم في قولهم أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ كثيرا من العلوم عن "بحيرى الراهب" وهي التي أوردها أو ذكرها عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وهذا باطل قطعا.
ومن الأمثلة أيضا على ذلك القصة المشهورة أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان يطوف همّ رجل بقتله فكلمه عليه الصلاة والسلام فقال له ما قال في إخباره بما في نفسه من نية قتله عليه الصلاة والسلام، وهذه قد ضعّفها عدد من أهل العلم.
وهذا النوع من الغلط في أخذ الأحاديث التي ترد في السيرة على أنها صحيحة، هناك عدد من أهل العلم نبّهوا عليه ومن المعاصرين منهم العلامة الألباني في كتابه "الدفاع عن الحديث النبوي والسيرة" وهو كتاب جيد في ذكر كثير مما يرد في السير مما لا يصح ومناقشة البوطي فيما أورده في كتابه "فقه السيرة" ذلك فيما علقه على كتاب "فقه السيرة" للغزالي المعاصر أورد كثيرا من الأحكام وحقق عددًا من الأحاديث، وغيره من الشباب وطلبة العلم كتبوا أيضا كتابات في تحقيق بعض الأحاديث في السيرة.
المقصود من هذا التنبيه على أنه لا يعني ورود الحديث في كتاب من كتب السيرة أنّه في نفس الأمر صحيح وإنْ تداوله العلماء بالقبول فإنهم يتداولونه بالإجمال لكن إذا كان المقام مقام استدلال أو مقام احتجاج فإنهم لا يريدون ذلك إنما يحدثون به هكذا على ما جرى عليه العلماء الأولون.