فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 2735

ومن أمثلة ذلك ما جاء في بعض كتب السيرة من ذكر الكتمان الذي كان بين الصحابة رضوان الله عليهم في مكة وخلصوا منها إلى أنّ هذا الكتمان والإيصاء بالتكاتم دليل على أنّ الدعاة يلجأون إلى الدعوة السرية وأنّ هذا أصل في الدعوة السرية وتنظيماتها، وهذا إذا عرض على العلم الصحيح وكلام أهل العلم والمحققين وُجد أنه ليس بدليل على ذلك، إذْ الكتمان في المسألة لا يدل على الكتمان في كل شيء، وتفاصيل ذلك معروفة في كلام أهل العلم في كلام ابن القيم ومن تبعه.

كذلك من المسائل الدعوية التي ذُكرت كالاستفادة من كتب السيرة: ما فصَّلَتْهُ بعض الفئات أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا في مكة ثلاثة عشر عاما، وهذا يدل عندهم على أنّ الدعوة يجب أنْ تكون سرية كالعهد المكي بجميع ما في العهد المكي من أحكام، وأنْ تكون مُدَّتُها ثلاثة عشر عامًا كما قالته بعض الأحزاب في بعض البلاد الإسلامية، فجعلوا الدعوة منقسمة إلى عهد مكي وإلى عهد مدني، والعهد المكي ثلاثة عشر عاما، ولما أنشأ بعضهم هذه الفكرة وأنشأ حزبًا عليها وانتهت ثلاثة عشر عاما بدون تمكين لهم، قالوا هذا التمكين حصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ثلاثة عشر عاما؛ لأنه هو المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لم يحصل لنا التمكين نكرر ثلاثة عشر عاما، فإذا لم يحصل نكرر ثلاثة عشر عاما، وهذا من البعد في الاستدلال كما هو ظاهر لكل من له عقل صريح فضْلا عن أنْ يكون من ذوي الانتساب إلى العلم .

كذلك بعضهم أخذ من السيرة تقسيمات الدعوة إلى مراحل وجعل المجتمع الذي يعيش فيه أيا كان ذلك المجتمع كالمجتمع المكي، فيعاشر الناس بعزلة شعورية كما فعلته بعض الفئات الغالية، ويعاشر الناس بأنهم مشركون أو أنه متوقف في شأنهم، كما تقوله جماعات التوقف والتبين، وأشباه ذلك، وهذا أيضا من الأغلاط الكبيرة وجدوا مستمسكا من الاستدلال؛ لكن ليس الشأن في وجود مستمسك من الدليل وإنما الشأن في أنْ يكون الدليل صحيحا ثم أنْ يكون وجه الاستدلال سليما، وأما ما يكون من جهة نوع الاستدلال فهذا يكثر في الشريعة حتى احتج بعض الناس بأنّ الخمر غير محرمة؛ لأنّ الله جلّ وعلا ما حرّمها في القرآن إنما قال ?فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? [المائدة:90] ، وهذا ترغيب وليس بتحريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت